TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كلامٌ عاديٌّ جداً: اللّهب موزون ومقفّى

كلامٌ عاديٌّ جداً: اللّهب موزون ومقفّى

نشر في: 2 فبراير, 2021: 10:02 م

 حيدر المحسن

ما هو الأهمّ في مسألة الفنّ؟ وهل يمكننا الفصل بين العمل الفني وأثره؟ النقش على الحجر لا يشبه الكتابة على طين مائع. ما لا يجدي يذهب مع الرياح، وليس كذلك التأسيس الشعريّ الذي أتانا من بين يدي حسين عبد اللطيف، الشاعر وصاحب الأثر الذي لا يمّحي في الشّعر العراقي الحديث.

"السّهام/ بلا طوابع بريد/ و.. / تصل".

التقيت الشّاعر أوّلَ مرّة في حديقة اتّحاد الأدباء في بغداد. كأنّ السّماء فوقنا غيّرت من خرائطها فجأة وصارت بساطاً ملوّناً. هل كانت تحيّي الشّاعر القادم من مدينة البصرة؟ قرأت له قصيدة "الهدهد"، ودار الحديث بيننا، ثم سألته عن الشّبه الكبير بين قصيدته التي تنتمي إلى شعر التفعيلة وبين قصيدة النثر. قال: "أنا لا أميل إلى المنبرية في الشعر، بل إنني أكرهها، أكرهها" وعلا صوته، وكان يؤشّر بيديه، كأنه يؤكد ما يقوله بالفعل بالإضافة إلى القول. الملاحظ أن الشاعر قدّم لنا رغم نفوره من الصوت عالي النبرة غنائيّة فريدة استطاع أن يضع عليها اسمه الذي لم يرثه من أحد، أو يجاري به غيره:

"لو واحد فقط | لكان قد كفى | فكيف لو كان، هناك، في الغصون: بلبلان!"

اعتنى الشّاعر في سبيل تحقيق الغناء بما يسمّى الفضاء النّصّي في القصيدة. الفراغ له نغم، والحرف، والنقطة، وغير ذلك، الأمر الذي ساعده في كتابة قصيدة يكون فيها المحذوف أكثر من الموجود:

"وحدها/ الأكمة/ – وفق قانونها – / تجلس القرفصاء/ كانت الروح/ عاريةٌ/ مثل أرض/ وطيّعةٌ/ مثل ماء/ وكالحةٌ كاللحاءْ/ كانت الروح/ مضروبة بالعصا/ وهي سيدة الكبرياء

أبيات عديدة غير موجودة في النصّ، وتلقي الضوء على المعنى، وتضيف إليه، وبالتالي تغدو القصيدة متداخلة، موزّعة بين الفكر والوجدان اللّذين تمسكهما آصرة ينجح الشّاعر في جعلها قويّة إلى درجة أن لا قوّة قادرة على تفكيكها؛ الفكر يصبح عاطفة مفهومة، كما أن الوجدان يغدو عملاً ذهنياً يقوم به قلبٌ مفكّر:

"اليتامى يتامى .. لا أزاهير أو ذكريات | لك شكري الجزيل | أيها (الشوكران) | إذ تأوهتَ من ألمي.. | وحثثتَ خطاك".

يريد الشاعر أن يصوّر آلام الإنسان في هذا العصر، لكنه آثر أن يكون الفكر متوارياً خلف القلب، حيلة فنية تزداد فيها حساسيّة الموقف، وثورة الهواجس، ويكبر فيها في الأخير حجم الأثر. أو أنه يُنزل الذّهنَ في القصيدة مكان القلب:

"تعال واجلس ولا تقل/ إنها ثآليل/ بل/ براعم"

أخبرني الشاعر في أحد اللقاءات إنه لا يستعجل القصيدة. ينتظر أحياناً شهوراً وشهوراً ثم تنتابه فجأة شهوة عارمة للكتابة عن شيء لا يوصف، أو عن موضوع لم يجرّبه أحدٌ، وهكذا جاء شعره جديداً وبارعاً. لا يمكننا التفكير بغير القوة السّاطعة للشعر عندما يحيي الماضي ونحن نقرأ قصيدة "لن تكون ابناً لإيثاكا", أو "في عيد البوقات"، وغيرها. عندما يُكتب الشعرُ عن الماضي فإنه يمضي قدماً إلى ما هو أبعد.

كما أن الشاعر الذي يرى لاهوت الطبيعة جزءاً منه تظلّ روحه جميلة كرائعة من روائع الطبيعة، ليس تشبّباً أجوفَ بحياة الريف، إنما رؤية واعية لعلائق مميّزة تطورت بفضل الشّعر: "بين آونة وأخرى | يلقي علينا البرق | بلقالق ميّتة"، وهذا المشهد ليس فوضوياً مبالغاً فيه أو زائداً عن الحدّ، بل صورة وافية تدلّ على تشبّع روح الشاعر بكل ما في الكون؛ الحياة والموت، السماء والأرض، الجحيم والنعيم...

قال له المصوّر مرة إنه لا يستطيع أن يمسك وجهه في الكاميرا. جميع صور الشّاعر الفوتوغرافية مزيّفة. وجه حسين عبد اللّطيف مرسوم في قصائده: "وجهي عشيق التراب" و"أرفع وجهي خطوطاً | وأكتب مرثية للسماء" و"وجهي | غرفة | تجمع شمل العائلة" و:

"أريافٌ تنهض في وجهي/ وصباحاتٌ/ تستقبلني/ أرغبُ/ في أن أصبح/ شجرةً

وأرافق نهراً".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram