TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: لا أحصي أسماءَها بين الفراشات

قناطر: لا أحصي أسماءَها بين الفراشات

نشر في: 7 مارس, 2021: 10:00 م

 طالب عبد العزيز

لا تكتب صديقي الشاعر عمّا فُجعت به بالامس، إنسَ ما أنت عليه في اللحظة هذه، ولا بأس عليك، أخرج من غرفة المكتبة الضيّقة، بأرففها، وأتربتها، ودع عنك أصيص الأوركيدا الذي يوشك، يموت، حيث تجلس منذ الصباح، ثمة فسحة أكثر دعة في الحديقة، على النهر،

حيث وطّنت جسدك منذ عقد ونصف قرن، لا تصغ لصوت بائع الخردوات، ولا لصخب العربات، بسائقيها القبحاء، لكنني أدعوك لاستحضار صوت ماكنة السقي، في الأرض التي كانت واسعة لك، تلك الجلبة المحببة لقلبك، استحضرها في قيعة ماء، أو في زنبيل رطب، او في باقة بقدونس حتى، الاستحضار غير مكلف، هو أن تغمض عينيك لا أكثر .

أعلم، أنَّ القصيدة التي شرعت بكتابتها قبل يومين أخفقت، وأنك نمت ليلتك حزيناً وبلا نبيذ، وأعلم ماذا يعني إخفاق قصيدة عند شاعر، هل أقول بأنَّ الحرف الذي اخترته كان سيئاً، لكنني أذكر أنني قلتُ لك بأنَّ الفكرةَ عن الموت لا تنتج قصيدة جيدة، وأنَّ تأمل نسرٍ في الفضاء يوهم الأبطال على الأرض، وأنَّ منقلبَ أشهر الربيع الأولى لا يسرُّ الصيادين في البحر، وقلت لك مثل هذه وتلك الكثير. لو أنك قلت على سبيل المثال:” لستُ منهكاً ما فيه الكفاية لأتمددَ في أغنية/ أنا شجن قديم لا أكثر / ولستُ سعيداً بما يكفي لأقول تقريظاً في اليابسة/ أنا جذع شجرة يوشك أن ينهض/ كنتُ قد منحتُ النسورَ المهاجرةَ أغصاني ذات يوم / وعنّي أخذت السماءُ تقلبها في الفصول/ وهذا مديحُ للذين يمرون بي، أتلوهُ، لأنني أملك النهر هذا بذاكرته الماء، وبكل ما فيه من الموج.

ففي الأمس أيضاً، حدث أن أخطأتُ، فأنكرتُ صداقتي مع امرأة، إذ، وأنا أزوّلُ حروفاً على شاشة (اللابتوب المحتضن) كما يسمّيه سعدي يوسف، ضغطت زراً مبهماً، فأحدث هجراً أو ما يشبه نسياناً بيننا، كان حجمُ رقعة الأزرار في اللابتوب هائلاً جداً، هكذا، ودون دراية مني، قطعتُ وصلاً ، وبعدتْ سماءٌ كانت لنا. لا تؤتمن الآلة الحقيرة هذه على شيء، وفي مشقّة لم أدركها من قبل، حدث أن اتصلت بي مستعلمة عن سبب لذلك. قلتُ: لا، لم أفعل، هذه الآلة تفسد ما بيننا، وأنت تعشب في يباب القلب منذ ثلاثين عاماً. فدى عينيك كل شركات الحواسيب في العالم، أبرأ من أصابعي إن فعلت ذلك ثانيةً، من تراني كيما أضغط زراً يقطع وصلاً بك،؟ هل كتبتُ غزلاً فيها؟ ما بيننا لا يُختزل بقصيدة، أو في كتاب والله، نحن سلالة عاشقين، جبلت من عناق وقبل وانتظارات، من سفر وحقائب ومحطات، من غضب وحنين وشتائم، فلا تفلحُ أزرارُ الكون في تزويل قطيعة بيننا.

أعلم أنَّ القصيدة أخفقت، ذلك لأنني لم أحسن اختيار حروفها ربما، أو لأنَّ موضوعها كان عن الموت، لكنني، أعلمُ أيضاً بأنَّ صوتك المنغّم الحبيب، الذي لم تظهر صورته على شاشة اللابتوب عبر المحيطات لي، وهو كفايتي في لحظتي هذه، وفي يومي هذا، من عامي هذا، ألا يكفي أنّ يبدأ يومُ امرئ شاعر مثلي، بصوت عاتب، لامرأة لا أحصي أسماءَها بين الفراشات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram