TOP

جريدة المدى > عام > تماثيل بغداد ونصبها في كتاب ميسون الدملوجي

تماثيل بغداد ونصبها في كتاب ميسون الدملوجي

نشر في: 24 أغسطس, 2021: 11:03 م

د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

اصدرت المعمارية "ميسون الدملوجي" كتاباً جديدا بعنوان "منحوتات بغداد بين الفن والسياسة"؛ وقد صدر هذا العام (2021) في بغداد،

عن "دار درج للنشر والتوزيع"؛ وجاء بـ 198 صفحة من القطع المتوسط. يتضمن الكتاب اربعة فصول إضافة الى قائمة بفهرس الاعلام، واخرى خاصة بالمصادر التى اعتمدتها المؤلفة لكتابها.

نتعرف، نحن قراء الكتاب، من اوائل صفحاته (.. بل ومن حتى غلافه!)، على موضوعة الدراسة التى تهتم المؤلفة في عرضها وتحليلها بكونها دراسة خاصة "للفن في الفضاء العام كوسيلة لتحفيز هوية وطنية في مجتمع يعاني من صراعات". واضح بان المؤلفة تسعى وراء طرح رؤاها في قضية ملحة وملتبسة في آن، بيد انها تبقة قضية ثقافية جوهرية، لم يسبق ان تناولها الباحثون من قبل بمثل هذة الاحاطة الواسعة، ما يضفي على الكتاب وموضوعه طابعا معرفيا مفيدا، يرتقي ليكون اثراءً حقيقياً في مهام التعاطي مع اشكاليات المشهد الثقافي العراقي المتنوعة.

يعرف المعماريون جيداً مصطلح "أثاث الشارع" Street Furniture، ويتداولونه كثيرا في نقاشاتهم وسجالاتهم، وهو مصطلح معني في توصيف مجموعة من تصاميم متنوعة المضامين والخامات والمقياس وتنطوي على فائدة نفعية مباشرة، مثلما يتمثل معناها الحسي أيضاً في قيم جمالية/ أستاطيقية Aesthetics محضة. ومفردات هذا الاثاث تتواجد عادة في فضاءات شوارع المدينة وازقتها وميادينها، في حين ان تصاميم هيئاتها تتجسد في اشكال اعمدة النور، واكشاك الهاتف، والنوافير، والتماثيل والنصب التذكارية، ومقاعد الجلوس العامة، وأمكنة المراحيض العامة، واشارات المرور، وسِلال النفايات، ومواقف النقل العام، وحاملات "لافتات" الاعلانات، وفي جرار الزهور، والاكشاك الموقتة، الخ..

تصطفي "ميسون الدملوجي" من سجل مفردات "اثاث الشارع" الكثيرة والمتعددة، مفردة "النصب والتماثيل" في فضاء المدينة، وتكرس لها كتابها المهم. انها تعرف جيداً، بان هذة الاشكالية وإن اضافت للمدينة بعداً فنياً وجمالياً، فأنها تدرك نوعية السجالات والمفاهيم المختلفة والمتداخلة، سواء كانت مجتمعية او تاريخية وحتى دينية التى احاطت بها وبـ "ثيمتها". من جانب آخر، تعي المؤلفة بان تحديد "الهوية الوطنية" للبلد الذي ظهر على الخارطة قبل قرن من الزمان، كان يمثل هاجساً وطنيا عميقا لكثر من بناة العراق الحديث ومثقفيه، الذين اشتغلوا عليها (على الهوية الوطنية) وعلى موضوعها بجد وباهتمام عميقين. ولعل توظيف فعالية التماثيل والنصب، التى بدأت تظهر في المشهد الحضري، كانت احدى تلك التمثلات لتلك الموضوعة الفنية لتحقيق "الهوية الوطنية" وترسيخها في فضاء المدن. وقد لعبت بغداد دورا اساسيا في تكريس هذة الموضوعة لعدة اسباب شرحتها المؤلفة بتفصيل في ص. 12 من كتابها.

ونتابع معها، مع المؤلفة، نحن قراء الكتاب، قضايا تحقيق الهوية الوطنية من خلال النشاط الفني للتماثيل والنصب، باعتبارها قضية الكتاب الاساسية، عبر فصول تتضمن محتوياتها عناوين نقاط بحثية نراها ذات فائدة كبرى لجهة قدرتها على اضاءة إشكالية الدراسة بصورة موضوعية. ففي حين تكرس المؤلفة الفصل الاول للحديث بلمحة تاريخية عن العراق القديم والحديث، تنتقل فيه الى فكرة الهوية الوطنية وبناء الدولة ثم رؤية الجمهورية الناشئة لايجاد حلول مقنعة لتلك الهوية، وقبل ذلك تتابع ظهور الهوية في مشاريع مجلس الاعمار والصراع حولها. اما الفصل الثاني، الذي اراه مهما، فيشمل نماذج عديدة واساسية في موضوعة الكتاب، منها نصب الثورة، و"نصب الحرية وسرديته" كما تدعوه المؤلفة بكتابها، وتتحدث عنه باسهاب من خلال السياق المكاني والسياق التاريخي، ثم تنتقل الى انتفاضة تشرين (2019)، وتلاحظ اصرار"..الشباب على التظاهر تحت نصب الحرية ويعتبرونه رمزاً للحرية ولوحدة البلاد، بعيدا عن الانقسامات الاثنية والطائفية وكل اشكال الانتماءات الفرعية". وقد عبر كثيرون، كما تكتب المؤلفة عن أهمية النصب في هذا الفصل، وتقول ".. من ان النصب أصبح كذلك رمزاً لكل الشهداء الناشطين من هادي المهدي الى صفاء السراي وغيرهما من ضحايا القناصين وعبوات الغاز المسيل للدموع التى راح ضحيتها المئات من الشباب المتظاهر في انتفاضة تشرين" (ص. 52).

تكرس المؤلفة الفصل الثالث من كتابها وتتناول فيه قضية فنية/ ثقافية، جد هامة كما تتناول في هذا الفصل جملة مواضيع هي احياناً من مؤثرات تلك القضية ومن نتائجها. ورغم السجال المثار حولهاـ فان المؤلفة وجدت الجرأة لطرحها ومناقشتها في كتابها. انها قضية التماثيل والنصب المزالة، هي التى يتم رفعها، عادة بعد التغييرات الدراماتيكية والانقلابات السياسية التى شهدتها الدولة العراقية في سياق مسارها التاريخي. وهي ما تسميه المؤلفة "حياة النصب والتماثيل في بغداد..وموتها". انها فعلا قضية، وان بدت الاراء حولها مختلفة ومتباينة الا انها تبقى "قضية" واقعية وآنية، تتطلب حوارا ونقاشا جادين حولها وحول تأثيراتها فيما يخص ذاكرة المدينة وذاكرة "هويتها" التى تتعاطي مع اشكالياتها المؤلفة بكتابها هذا. وتسرد المؤلفة عدة حالات تمت ازالة النصب والتماثيل بنتيجتها في مدينة بغداد. الا ان "احداث" ساحة الفردوس فيما يخص "الازالات" تعد بمثابة حالات مشهورة في ذاكرة المكان، ومشهود لها في سجل تاريخ العراق السياسي، وتدلل على نوعية التغييرات الكبرى التى حصلت في المجتمع والتى عكستها بعمق حالات "ازالة التماثيل" و"إعادة تشييدها" فتكتب "..في عام 1982 أزالت البلدوزرات نصب الجندي المجهول في ساحة الفردوس، أمام أنظار العامة، واستبدلته بتمثال (الديكتاتور) صدام حسين للنحات خالد عزت، والذي كانت أزالته يوم 9 نيسان 2003، نقطة فارقة في تاريخ العراق، اذ كان بمثابة اعلان عن انتهاء نظام حزب البعث وبداية احتلال العراق" (ص. 107). وترى المؤلفة، وهي محقة من دون ادنى شك، بان".. حدثاً دولياً كبيرا أُختزل بعملية إزاحة تمثال؛ مما يؤكد مرة آخرى عمق رمزية النصب والتماثيل في ثقافة المجتمعات، محلياً وعالمياً" (ص. 108).

يتضمن الفصل الرابع (الاخير) من كتاب "منحوتات بغداد" عدة قضايا تخص وجود التماثيل والانصاب في فضاء المدينة، وتوظيف ذلك في تكريس "هوية وطنية"، فتتناول الدملوجي في هذا الفصل: "البعد الاجتماعي والديني"؛ و"توظيف التاريخ في الصراع وفي صناعة السلام"، و"نحو إعادة بناء هوية وطنية"، واخيرا "الفرصة الضائعة والمجتمع المتعدد". وكلها قضايا جد مهمة وذات صله يموضوع الكتاب، الذي نرى في تأليفه ونشره وحضوره في المشهد الثقافي الآن، بمنزلة جهد معرفي كبير ومفيد قامت به "ميسون الدملوجي" بصورة مبدعة ومميزة، وباتقان مهني رفيع، مثلما معروف عنها، وعن نشاطها المعرفي التنويري. انه كتاب، ولابأس من التكرار، جد مهم، واهميته تنبع من نوعية الاشكالية التى يتناولها، اشكالية "الهوية الوطنية" في وطننا الذي عاني ويعاني من صراعات. كما اننا نرى في "سردية" هذا الكتاب ومضامينه اثراءً حقيقيا ونافعا للفن وللثقافة على حدٍ سواء.

وكلمة اخيرة، اعرف جيدا عديد القضايا التى تحيط بفعالية التماثيل والنصب وقضاياهما المختلفة والمهمة. وطالما ارتأـت المؤلفة اصطفاء "الهوية" في هذا الجانب من النشاط الفني، فهذا بالطبع خياراتها التى لا يمكننا، باي حال من الاحوال، مناقضتها. لكني وددت ان تكون اشارة في متن الدراسة القيمة التى اعدتها ميسون الدملوجي، الى دور "المعمار" (ولاسيما وهي معمارة ماهرة)، وعمله الضروري والحيوي وحتى..اللازم مع النحات في تصميم القطعة النحتية وخصوصا "قاعدتها" التى لطالما شهدنا نماذج عديدة مختارة من قبل النحات وحده، تدلل على سوء فهم وعدم مقدرة مهنية في التعامل مع مقاس القاعدة وقياساتها واختيار موقعها ومكانها في فضاء المدينة. والمؤلفة وان ذكرت مثالين مهمين وناجحين معماريا وفنيا وبالطبع جمالياً: وهما نصب الحرية، ونصب الشهيد، الا ان الحديث عنهما تغاضى الاشارة بان تلك الاهمية والقيمة الجمالية لهما يعودان في الاساس، في اعتقادي، لدور المعمار وتعاون النحات معه في تنفيذ ذينيك العمليّن. وبالنقيض من ذلك فان "نصب سيدة بغداد" في ساحة الاندلس، يعد نموذجاً ناصعاً لسوء التقدير في اختيار القاعدة واضطراب ظاهر في جهل ادراك المقياس والمقاسات. وامل ان تتعاطي المؤلفة العزيزة، مع موضوعة العمل المشترك ما بين المعمار والنحات وان يكون ذلك مدار اهتمامها المستقبلي لجهة تتمة الاحاطة بهذة الاشكالية الفنية المهمة والضرورية، التى ارست "ميسون الدملوجي" معالم <ثيمتها> في الخطاب الثقافي الفني العراقي بكتابها الممتع.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

العراق بلا كهرباء إيرانية: صفر ميغاواط بين التوترات والضغوط الدولية

تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وسط خلافات سياسية

إيران تؤكد جاهزيتها الكاملة: كل الخيارات على الطاولة

قرار تربوي يخص امتحانات الطلبة التركمان

العدل تعلن إطلاق خدمة فتح الأضابير إلكترونيا في بغداد والمحافظات

ملحق منارات

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

قطار الى سمرقند.. سرد يمزج الحقائق التاريخية والخيال الأدبي

نجيب محفوظ.. احتفاء وندوات في معرض القاهرة للكتاب

مقالات ذات صلة

الطفولة والمكان مرحلة تأسيس جذري في الوعي
عام

الطفولة والمكان مرحلة تأسيس جذري في الوعي

علاء المفرجي الطفولة مصدر مهم للخبرات الإبداعية، فقد أظهرت الدراسات أن التجارب المبكرة في الحياة، سواء كانت سعيدة أو مؤلمة تصبح مواد خام للإبداع الفني والأدبي عند البالغين. هذه التجارب تُخلّف ذكريات عاطفية ملونة...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram