سلام حربه
1 – هجرة..
كان يحب النخلة العراقية. في مطلع شبابه أغروه أصدقاؤه الذين هاجروا قبله الى بلدان الغربة أن يلحقهم، كان يرد على رسائلهم واتصالاتهم :
هل هناك نخلة في تلك البلدان الاجنبية..؟ كانت إجاباتهم الساخرة بالنفي. تخصص في علوم الزراعة، أنشأ بستانا عامرة بكل اصناف النخيل. الحياة في بلده، ما بعد عام 2003، بدأت تضيق جدرانها عليه، المدن خرّبها الفاسدون، مزارع النخيل جرفتها البلدوزرات لتنبت مكانها الأحياء العشوائية. قرر الهجرة الى عالم الغرب، جهز له أصدقاؤه مكانا هناك، لم يأخذ معه في غربته سوى ذاكرته وفسيل نخلة أخضر زاهي، هيأ في حديقة داره في بلاد الإفرنجة زاوية ظليلة دافئة زرع فيه الفسيل، كان يصبّح عليه كل يوم يسقيه ماءا ويقمط جذوره بالسماد العضوي. كل شروق شمس يمر كان قلب الفسيل الفتي يزداد إصفرارا وتشحب أطرافه الخضر العديدة وكأنه اصيب بعسر حياة. شعر البستاني أن هناك شيئا تصدع داخله وتهشم، لم يعرف ماهو أحس بمرارة مذاقه تحت لسانه. بعد دورة زمن قصيرة مات فسيل النخلة وروحه، بقيا منتصبين ينتظران من يدفنهما في غربتهما..
2 - حب..
أحبُكِ، أحبُكَ، أحبُكِ، أحبُكَ..الحب لا يسقط عن لسانيهما يلهج به الزوجان الشابان وعمريهما لم يتخطا عتبة العشرين عاما. كانا لا يعرفان النوم الا متعانقين، أنفاسه وأنفاسها يتخدران بهما ويغطان في نوم عميق ليصحيا حين تطرق الشمس باب غرفة نومهما يفتتحان يومهما وقد تشابكت يداهما والتحمت نظراتهما بمرهم الحب. شعرا حين تقدم بهما العمر سنوات، إن جسديهما قد تباعدا وإنهما لم يعدا يشعران بسخونة أنفاسهما. بعد سنوات نام كل منهما على سرير منفصل وغدت الكلمات التي يستهلكانها قليلة ومعدودة وفي أحيان كثيرة لا معنى لها. دلفا الألفية الثالثة وقد كسى رأسيهما الشيب، سقطت أسنانهما وتقوس ظهراهما وخطواتهما اصبحت قصيرة متعثرة. جلست الزوجة قبالته، أرادت أن تغيضه وتشاكسه قائلة له..
- أتذكر يا زوجي العزيز كنا نستخدم سابقا كلمة لا أتذكرها الان..؟
أجاب الزوج بجزع..
- كلمة نستخدمها..! متى، ماهي..؟
أضافت بعد تفكير..
- أعتقد هي كلمة الحب، هذا ما خطر في بالي، هل سمعت بها سابقا..؟
ضحك الزوج، قال بسخرية..
- الحب، في أية لغة هذه..؟ لا وجود لها في قاموس كلمات الألفية الثالثة الجديد، أعتقد أنها سقطت يوما من فم الاساطير، ربما هي من لغات بائدة..
هزت الزوجة رأسها موافقة. للغة مقابر كما للبشر..
3 - ثروة..
كانا صديقين حميمين، المثقف والتاجر وكان كل منهما يتباهى بما يملك..
- بثقافتي أمتلك العالم..
يجيبه التاجر ساخرا..
- بأموالي أملك العالم..
في يوم، طرق المثقف باب التاجر، خر أمام عتبة البيت مغمى عليه، كان شحوب وجهه مخيفا، أسعفه التاجر وتقاطر الاطباء على رعايته. بعد أن إستعاد بعض صحته، أخبر التاجر..
- كنت جائعا، لا أملك المال، درت على المطاعم كلها، لم يقبل أي منها أن يقدم لي الطعام، خارت قواي لم أجد سواك ملاذا أحتمي به..
ضحك التاجر بألم، الشفقة على صديقه جلية واضحة على خطوط وجهه..
- يا صديقي، امنحني ثقافتك، سأشتريها بأي مبلغ تطلب..
- وما حاجتك اليها..؟
- سألبسها قناعا..
في اليوم التالي امتلأت حقيبة التاجر بقطع الثقافة النفيسة، سلع إشتراها بدراهم معدودة رغم أنها كانت في السابق لا تقدر بثمن..










