ترجمة: عدوية الهلالي
(مارتا وآرثر) هو عنوان الرواية الجديدة للكاتبة الالمانية كاتيا شونهير، ومن يقرأ العنوان سيتوقع مباشرة ان تكون الرواية رومانسية وعاطفية لكن امله سيخيب عندما سيقرأ الرواية ذاتها، فهي قصة قلب مضطرب مليء بالحقد الفظيع وسلوك شاذ لامرأة غريبة الأطوار..
تبدأ القصة مع مارتا البالغة من العمر 59 عاما وهي تمارس مراسيم تزيين جنائزي غريبة لجثة زوجها المتوفي تواٌ وفي رأسها يمر شريط ذكريات النكسات والاحباطات التي تراكمت على مدى اربعين عاما من الحياة المشتركة..
تم بناء هذه الرواية بدقة كبيرة وتجميع اجزاءها كما يفعل الاطفال في لعبة البازل التي كان يحبها آرثر والتي لم تغفل مارتا حرقها خلسة كنوع من الانتقام الصغير منه وهو مايرمز الى وجود حاجز بين الزوجين ويدفع القاريء الى التساؤل عن سبب بقائهما معا كل هذه السنوات مادامت تكره كل مايحبه..انها رواية مبهرة ومفزعة في الوقت ذاته وسيتم سرد الاحداث فيها من وجهة نظر مارتا..فمنذ المشهد الأول سنراها تملأ اكياسا بالرمل من الشاطيء وتسحبها بصعوبة الى منزلها ويلي ذلك مشهد مثير للرعب اذ تبدأ بنشر الرمل على جثة زوجها الممدد على سريرهما المزدوج..لماذا هذا الدفن المروع؟ سيجد هذا السؤال جوابا لاحقا عندما سيعلم القاريء ان آرثر كان يكره ملمس الرمل وان مارتا اضطرت الى التخلي عن موهبتها كمصممة ديكور بسببه..تواصل مارتا نشر الرمل وتزينه بأصداف بحرية لتمعن في جعل منظر الجثة مثيرا للسخرية..هل يعني هذا ان مارتا اصابها مس من الجنون؟
تمزج كاتيا شونهير في روايتها بين فترتين متعاقبتين ضمن فقرات قصيرة فهي تنتقل من جثة آرثر – في الحاضر – الى علاقة مارتا وآرثر – في الماضي – ويكشف هذا الانتقال المتعاقب عن مفاتيح سلوك مارتا المقزز، وربما ستكسبها المعاناة التي عاشتها فائدة الظرف المخفف قانونيا بعد اجراء تحقيق مطول معها !!
ولدت مارتا من أبوين مدمنين على الكحول وتعرضت للاعتداء الجنسي في سن الحادية عشرة من قبل عشيق والدتها، ويبدو ان هذه الطفولة المؤلمة هي التي قادتها الى التعلق غير المفهوم برجل يكبرها بخمسة عشر عاما، فعندما تعرضت الى آرثر في سن السابعة عشر شعرت بانجذاب مفاجيء له، وابهجته نضارة شبابها ففكر ان يمضي معها فترة مغامرة عابرة لكنها تشبثت به على الرغم من انه لم يكن يعجبها ولم تحبه..ربما أرادت ان تصبح امرأة مثل بقية النساء بعد أن طردتها والدتها من منزلها لذا لجأت الى منزله فاستقبلها بفتور لكنها عاشا سويا اربعين عاما بل انهما انجبا ابنا غادرهم ماان بلغ سن العشرين...ومن الواضح ان الحب ليس له مكان بين هذا الثنائي فقد اعتاد آرثر على مخاطبة مارتا بكلام لاذع وبدت أمامه خاضعة ومتكتمة بمكر بينما كانت تخيط له خصل الشعر مثلا في ياقة قميصه ليثير له الحكة محاولة التصرف كربة بيت مثالية وزوجة محبة..
تجيد المؤلفة اختيار الكلمات الصحيحة للتعبير عن معاناة مارتا وآمالها الخائبة ووصف ماتدركه من محيطها المباشر وعالمها المغلق حيث يمكن حتى للاشياء المألوفة ان تصبح عدائية ومثيرة للتهديد..ويقدم النص صورا لافتة للنظر تحمل معنى وحشيا وقاسيا مثل سترته المعلقة على الحائط ولوحاته التي تحدق فيها كعيون غاضبة..اما العلاقة بين مارتا وابنها فهي كارثية بدورها فهي تلاحظ بفزع انه يشبه والده كثيرا وانه يميل اليه اكثر لدرجة انه يغادر المنزل ليحمي نفسه منها..انه يقول لها:” فقط لأنك لاتملكين حياة، لايعني انه عليك ان تسرقي حياتي “ لكن ذروة الأمر تكون باكتشافها زواج ابنها بعد وفاة والده وانه دعا والده الى زفافه وتجاهلها....تتذكر مارتا ان آرثر لم يكن شخصية ودية وانه لم يقابلها يوما الا بالسخرية والأذى اليومي، لكن نهاية الرواية تظهر لنا انه كان اكثر توازنا وعقلانية منها فهل كان يحمي نفسه منها بطريقتها الخاصة؟..
عندما يكتشف الابن مافعلته والدته بجثة زوجها، سيعتبرها هو وزوجته مجنونة خطيرة لأنها تسمع اصلا خطوات شبح آرثر وتعتقد ان هناك جارة لاوجود لها تتجسس عليها، لذا يولد الشك بان آرثر المريض اصلا بالتهاب الشعب الهوائية بسبب التدخين لم يمت ربما ميتة طبيعية، خاصة بعد ان يجد في صندوق بريد مارتا رسالة تضم مقال صحفي غامض كتبه شخص مجهول يقول فيها: “ اذا اردنا اضاءة الشموع ليلا على قبور كل الذين قتلوابالفعل، فقد تكون كل قبورنا مضاءة “
وهكذا، تعرض رواية كاتيا شونهير امرأة هشة لكنها قوية بطريقتها الخاصة، فهي ضحية لعائلة لايريدها فيها أحد، لكن قوة الرواية تكمن في فتح باب الشك وعدم تقديم اجابات بسيطة لاسئلة ستدور عن طفولتها التعيسة والصدمات التي تعرضت لها وان كانت سببا في تحولها الى شخصية ساخطة ومعقدة وشريرة في اعماقها..لقد كانت مرفوضة دائما من كل الذين يفترض ان يقابلوها بالحب ابتداءا من ابويها وحتى زوجها وابنها فهي غير قادرة على الحصول على الحب الذي تتطلع اليه بشغف..وليس هنالك من شك في انها مسؤولة جزئيا عن مصيرها لكنها الشخص الذي حاول –باعترافها الشخصي – ان يتكيف مع محيطه في كل الاوقات...تتضمن الرواية الى جانب المقاربة السيكولوجية الرائعة لغة شعرية وصورا تجسد المشاعر على أفضل وجه ضمن عمل أدبي ساحر..










