TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مرساة: تميمة

مرساة: تميمة

نشر في: 26 إبريل, 2022: 11:16 م

 حيدر المحسن

العدد الذي صدر من المدى الأربعاء الماضي، وكان يحمل عمودي الأسبوعي ذا العنوان الكبير: «عالم محمد خضير». وكنت احرص للحصول على النسخة الورقية من الجريدة، ربما يعود السبب إلى السحر في أعمال أديبنا البصريّ، وخِلتُهُ انتقل إلى حرفي،

وتحولت الصحيفة إلى تحفة فنية من تلك التي يحرص الناس عليها في بيوتهم لأنها تؤدي عمل حجاب أو عوذة أو تميمة تطرد عنهم الشرّ. إن توفرَ شيء من سحر الفن مهم لإزالة التوتر الروحي لدينا، فإذا فُقِدَت هبة الفن هذه زاد شعور الإنسان بالخطر، وصارت الحياة قليلة مثل قضيب حديديّ أعمى، إما أن يُطرقَ به أو يُطرق عليه.

حاولت في المقال السابق دراسة القصة الأولى من تلك القصص التي وصفتها بأنها لم تدخل قلبي حتى بعد قراءتها للمرة الخمسين، وهي “تاج لطيبوثة”، وأجرّب اليوم قراءة القصّة التي فاقت شهرتها جميع ما كُتب في العراق وفي بقية البلاد العربية من قصص؛ «الصرخة»، رفعتْ كاتبها إلى مرتبة العالميّة، وكانت، منذ نشرها لأول مرة في سبعينات القرن الماضي، وما تزال، تُمثّل التحدّي الأكبر لقارئ القصة القصيرة، وقد يتمدد هذا الرهان ليشمل النقد، وشاء لي قدري أن أكون أحد المشتركين في هذا النزال، فهل يكون الفلاح من نصيبي؟

لا يوجد في القصة بطل، ولا شبه بطل، ولا توجد حبكة، ولا حوار، وليس ثمة حدث ينقطع عنده السرد عن الماضي والمستقبل، وهو الشرط الأهمّ في تعريف القصة القصيرة، كما يمكن للقارئ البدء من أي صفحة في النصّ، ثم يمضي بعد ذلك باتجاه اليمين أو الشمال، دون أن يختلّ معنى القصة، وكأن بغية المؤلف تحقيق أمر مستحيل، وهو كتابة قصة دون حبكة ولا شخوص ولا أحداث، ولا حوار، وليس فيها بالنتيجة معنى يخلص إليه القارئ الذي يروم قراءة قصة قصيرة.

«الصرخة» إذن هي نصّ اللا معنى، أو قصة اللا قصة. ونتيجة لهذا الإعجاز بقي هذا النصّ منفردا ومعزولا عن بقية أعمال الكاتب، فهو لم يحاول إعادة التجربة ثانية، كما أن تأثيره في الأدب العراقي والعربي لا يُذكر، وهكذا باتت “الصرخة”، وبعد نصف قرن من تاريخ كتابتها، مثل كوكب بارد وغير مأهول إلا من المستكشفين الذين ما إن تنتهي مهمتهم، يغادرونه، عائدين إلى أوطانهم دون رجعة.

كاد المؤلف أن يضع في هذه القصة فنا خالصا، وهذا يشبه المعدن الصافي الذي لا وجود له في الطبيعة، فلا بدّ من شيء من التراب أو الرمل والأكاسيد أو غبار الفلزات كي يتماسك المعدن ويكون قائما بنفسه. ووصل محمد خضير في «الصرحة» إلى المكانة التي بلغها جيمس جويس عندما قام بتأليف «يوليسيس»، وهي كتابة رواية فنية خالصة، ويُنظر إلى الأدب الذي جاء بعد هذه التجربة على أنه صدى لما كتبه الروائيون في الماضي، فلا يجد القارئ فيه رؤيةً بعيدة إلى مستقبل الأدب، لأن المستقبل بلغ في «يوليسيس» منتهاه. وهو يعبر الشارع، اعترضته إحدى القارئات، وهتفت به:

- روايتك ليست من الأدب الروائي في شيء. وأجابها جيمس جويس، متأسيا:

- لقد كان!

ينطبق هذا القول على هذه القصة تماما، فنحن نقرأ القصص التي كُتبت بعدها كأننا نعيش في الماضي، فهي النقطة التي انتهي بها زمن القصّ، وسوف يظهر حتما في المستقبل فن جديد يمثّل الحياة، ويرسم للتغييرات التي حدثت في كوكبنا منذ سبعينات القرن الماضي، زمن كتابة “الصرخة”. أما تلاحظون معي أن اهتمام القرّاء ودور النشر أخذ يقلّ تدريجيا بالقصة القصيرة منذ السبعينات. من يدري، إن تاريخ الأدب لا تصنعه الحروب أو الثورات، وإنما أعمال يكون لها في الفن فعل الثورة أو الحرب؟

وقبل الشروع بدراسة هذه القصة علينا الإلمام ببواكير اهتمام الكاتب بالفن التشكيلي، وهو أمرٌ يتطلّب منا دراسة أعمال الكاتب منذ أول قصة له.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram