TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: أكتبُ لأعيش

قناطر: أكتبُ لأعيش

نشر في: 26 إبريل, 2022: 11:18 م

 طالب عبد العزيز

“كلّ قارئٍ يوجَد كي يضمنَ لكتابٍ مُعيَّن قَدْرًا مُتواضِعًا من الخلود، القراءة بهذا المفهوم، هي طقس انبِعاث”. وأخيرًا أنا أقرأ لأنّني مُدمن، أشعر بتهارشٍ فظيعٍ في عقلي، إنّني أحتاج إلى جرعةٍ يوميّةٍ ودائمةٍ منها لكي لا أموت، لكي لا تصدأ روحي،

ولكي أضبطَ إيقاع الأفكار الّتي تبدأ بالتّلاطم والهياج في اللّحظة الّتي يطول فيها تناول الجرعة. هذا ما يقوله ألبرتو مانغويل عن القراءة. ولكل منا نحن معشر الكتّاب قول ومعنى في حاجتنا الى القراءة والكتاب. شخصياً أصبحتُ هذا اليوم ضجراً، متأففاً من الكتب والكتابة والقراءة، ولدي شعور بأنَّ مهناً أخرى ربما تكون أقلَّ ضرراً عليَّ من المهنة المُذلَّةِ هذه.

أنا أكتب لأعيش. جملة صادمة أليس كذلك؟ لكنْ، نعم، فراتبي التقاعدي لا يكفيني وأسرتي وجبة واحدة، في مطعم من الدرجة الأولى. القراءة والكتابة والعيش الى جوار المكتبة جعلني انساناً كبيراً، وهامّاً بعض الشيء، وبروح ارستقراطية الى حدٍّ ما، أفاخر بها وأنسب لنفسي ما ليس فيها، لكنني في الواقع غير قادر على تحقيقها. الكتب علمتني صناعة الجمال، والوقوف على حافات العالم، والتطلع الى ماهو رقيّ ونعيم، وارتفعت بي الى سموات لا حدود لها، أنا برجوازي في روحي، لكنني فقير ومعدم في الواقع، وهذه معادلة لا أجد السبيل الى حلها، إذ ما معنى أنني أكتب لأعيش، هل هناك مهنة اقسى من هذه؟ كنت أرى في الشعر والرواية وتصفح المعاجم وقراءة أمهات الكتب في اللغة والفكر والفلسفة وغيرها ما أردم به الهوة العميقة التي تفصلني عن العالم الوضيع، ما يميزني عن أقراني الذين لم يقرأ أحدهم كتاباً ولم يكتب حرفاً مضيئاً.. لكنني وجدتُ نفسي تنحدر الى السحيق المظلم.

لا أعرف من يكمن وراء بدعة (يوم الكتابة) والاحتفال به، لكنه استذكار جميل، قد ينفعنا في تعريف يوم استثنائي، أو جعله مادة للحوار والاهمية أو اللأهمية عند العامة، من الذين لا علاقة لهم بالكتابة والكتاب، وما أكثرهم، في كون ذاهب بكليته الى جعل المعرفة هامشاً، وهذا ما نلمسه في حياتنا بشرقنا العربي بخاصة، حيث لم تعد مكتبة البيت مثابة العائلة ومباهاة الاولاد، ولا أثر للدهشة في وجه أحدٍ من الجيران، إذا ما دخل البيت وشاهدت مكتبة، ملئية بالكتب، إذ لم يعد الفضول قائماً في التصفح حتى. الأجهزة الالكترونية مثل الهاتف الجديد، متعدد الاغراض، أو السيارة الحديثة، بتقنية عالية وسواها باتت هي المسعى الاسر والتباهي الاول.

يسألني أولادي عن مصير أكثر من عشر علب كارتونية، مملوءة بالكتب، أنزلتها من الارفف، فاسحاً المجال لكتب أخرى جديدة، كنت رزمتها لانتفاء الحاجة المباشرة لها، أو لأنَّ الكتب الجديدة تمنحني إغراءًا أقوى، لذا نضطر جميعاً بين آونة وأخرى الى تغيير مكانها، عند دخول المواسم، وتحريك الاثاث من مكان لآخر، فأجدها وقد باتت عبءًا عليهم، فهي ثقيلة، وعليها ما عليها من الاتربة والاغبرة، وتحتجز مكاناً، ولطالما وجدتني قائلاً ً: ترى، ما الذي يدعوني للإحتفاظ بها؟ ولم تغّير من واقعي الحياتي شيئاً، أنا الذي قاربت السبعين عاماً اليوم، ولم يبق لي في حافظة السنوات ما يغريني لمراجعتها ثانية، أو للمرة الاخيرة حتى؟ هناك، مآلٌ خفيٌّ، لم يُظهره لي أحدٌ من العائلة، مفاده أنها ستكون طعماً للتنور إنْ لم تأخذ طريقها الى حاوية النفايات الكبيرة.

كنتُ سأطلب من أسرة التحرير أعتذاراً عن مادة اليوم هذه، فآلام الرقبة لا تحتمل، هناك سيخ من نار يخترق عمودي الفقري، وبرمي من الجلوس خلف آلة الكتابة والتصفح بات أكثر من أي وقت مضى، ولدي شعور بلا جدوى كل شيء. ومثل صاعقة محرقة مضنّي خبرُ موت صديقي الشاعر الآشوري زهير بهنام بردى، الذي ظلَّ يكتب الشعر مثلي معتقداً بأنه سيعيش كما أراد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram