شهد ولادة «الثلث المعطل» واعتزال الصدر ومدافع الخضراء
بغداد/ تميم الحسن
أشرق عام 2022، الذي يطوي اخر ايامه، على مشهد انسحاب ما كان يعرف بـ “رافضي نتائج الانتخابات” التي جرت قبل ذلك الوقت بنحو شهرين، فيما ينذر العام الجديد باحتجاجات من نوع اخر تحت اسم “ثورة الجياع” التي بشر بها النائب السابق محمد السوداني في تغريداته بسبب رفع سعر الدولار (حذفها قبل ايام) قبل ان يتراجع عنها بعد ذلك وهو على رأس الحكومة تنفيذاً لاشتراطات البنك الفيدرالي الأمريكي.
مرت البلاد خلال العام الذي يوشك على نهايته، بأحداث هي الأسخن بعد سنوات 2003، حيث شهدت اشد انقسام شيعي انتهى بمقاطعة مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري لأول مرة الحكومة والبرلمان، وتورط انصاره باشتباكات مسلحة في قلب المنطقة الحكومية.
كما تعرضت مقرات احزاب سنية متحالفة مع الصدر في 2022 الى تفجيرات، فيما سقطت صواريخ قرب منزل رئيس البرلمان محمد الحلبوسي في الانبار، وسوى حزب كردي لأول مرة، مقره في بغداد بالأرض احتجاجا على حرقه من قبل محتجين مقربين من أطراف شيعية.
وفي 2022 ظهر لأول مرة مصطلح “الثلث المعطل” الذي اوقف تشكيل الحكومة حتى اواخر العام، وانفراط عقد التحالف الثلاثي بين الصدر والقوى السنية والكردية وصعود الإطار التنسيقي الشيعي على ظهر السلطة ثم صراعهم على المناصب.
وفي هذا العام الاخير، اعترفت طهران لأول مرة بقصف اربيل، كما تدخلت في محاولة لم الشمل الشيعي، فيما رد الصدر بـ “مدده الثلاثة” التي منحها لخصومه ودخول البلاد “الانغلاق السياسي”، واعتصامات الصدريين داخل المنطقة الخضراء وصولا الى لحظة الاشتباكات.
كذلك شهد عام 2022 صدمة ما عرفت بـ”سرقة القرن” وتورط فصائل في تدبير الحادث، وجدل حول اعادة العمل بالمادة 140 من الدستور، وحل هيئة المساءلة والعدالة، ثم ازمة الدولار الاخيرة واغلاق مصارف حزبية بواجهات مدنية.
بداية العام
بعد ايام من دخول عام 2022 كان المحتجون الموالون للإطار التنسيقي قد غادروا خيمهم في محيط المنطقة الخضراء بعد شهرين من الاعتصامات ضد ما اعتبروه «تزوير نتائج الانتخابات»، فيما كان «الإطار» يعد لخطة بديلة.
اتضحت معالم هذه الخطة في شهر شباط حين حصل التحالف الشيعي الذي يقوده رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي على قرار من المحكمة الاتحادية بعقد جلسة اختيار رئيس الجمهورية وساعد في ظهور ما بات يعرف بـ «الثلث المعطل».
حينها قررت المحكمة ان يكون نصاب جلسة اختيار الرئيس ثلثي عدد البرلمان فيما كان المجلس منقسم حينها بين مجموعة المالكي (الإطار) والصدر وحلفائه (التحالف الثلاثي) ولا يملك اي من الطرفين 220 مقعدا وهو الحد الأدنى المطلوب لشرعية الجلسة.
وابعدت المحكمة الاتحادية العليا المرشح الكردي الاوفر حظا برئاسة الجمهورية هوشيار زيباري عن التنافس، فيما كانت قبل ذلك قد اوقفت جلسة اختيار رئيس البرلمان محمد الحلبوسي «مؤقتا» على إثر دعاوى شكت بدستورية جلسة الاختيار قبل ان تقر بصحتها بعد ذلك.
كل تلك التطورات اجبرت زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على اعتكاف مؤقت والذي عرف بـ «الصوم السياسي» لأنه تزامن مع رمضان، حيث كان قبل ذلك قد أعلن التحالف الثلاثي ترشيح جعفر الصدر، ابن عم مقتدى، لرئاسة الحكومة وريبر احمد (وزير داخلية كردستان) لرئاسة الجمهورية.
وعقب محاولتين فاشلتين لتشكيل الحكومة بسبب تنازع الفريقين (الإطار والتيار) دخل الصدر في اعتزال لمدة اربعين يوما قرر فيه عدم التفاوض مع اية جهة، وترك المجال لخصومه الشيعة هذه المهمة.
خلال هذه الفترة تعرضت مقرات لحزب تقدم التابع لرئيس البرلمان حليف الصدر، الى هجمات بالقنابل والعبوات في بغداد ومدن اخرى، كما سقطت صواريخ بالقرب من منزل الحلبوسي في الكرمة شرقي الفلوجة.
بالمقابل قرر الحزب الديمقراطي الكردستاني وهو حليف الصدر ضمن (التحالف الثلاثي) هدم مقره في بغداد بعد تعرضه للحرق مرتين من جماعات يعتقد انها قريبة من الإطار التنسيقي، فيما كان الهجوم الاكبر هو ما حدث في اربيل بعد ذلك.
اعترافات طهران
في آذار الماضي اعترفت طهران، في تصريح نادر، بانها قصفت عاصمة الاقليم بـ 12 صاروخا بالستياً لما قالت انه مقر للمخابرات الاسرائيلية (الموساد) في اربيل، فيما اثبتت لجنة برلمانية مكونة من أطراف مختلفة من بينها «الإطار» ان الهجوم طال منزلا لتاجر كردي ولا وجود لنشاط إسرائيلي في المدينة.
وكان الصدر قد لمح أكثر من مرة الى تعرض حلفائه للتهديد على إثر التفاهمات معه وثنيهم عن تشكيل ما كان يدعو له بـ «حكومة اغلبية»، كما اشار حينها زعيم التيار الى احتمال تعرضه للاغتيال.
وقبل ان يعلن الصدر بشكل مفاجئ في ايار الماضي، تحوله «المؤقت» الى المعارضة على إثر رفض القضاء تمرير مشروع الامن الغذائي الذي تحمس له الاول، كانت إيران قد ارسلت أكثر من مرة اسماعيل قاآني خليفة قاسم سليماني الى الصدر لمحاولة اقناعة بالعدول عن آرائه بتشكيل «حكومة أغلبية».
وخلال تلك الفترات والاسابيع التي لحقتها أطلق الجميع من بينهم زعيم التيار مبادرات لحلحة الازمة حتى وصلت في النهاية الى 14 مبادرة، قبل ان يقرر الصدر الاعتزال نهائيا عن تشكيل الحكومة في حزيران الماضي وسحب نوابه الـ 72 من البرلمان.
واتهم الصدر حينها مَن اسماهم بـ»أذرع إيران» في العراق بإجراء انتهاكات سياسية، ثم قرر انصاره بعد ذلك في تموز اقتحام المنطقة الخضراء والبقاء لحين نهاية آب الماضي، بعد اعلان الإطار التنسيقي الذي احتل مقاعد الصدريين المستقلين من البرلمان، ترشيح محمد السوداني لرئاسة الحكومة.
وقبل ذلك كان الصدر قد أمهل القضاء اسبوعا لحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة وبقاء حكومة الكاظمي، قبل ان يعتذر الاول عن ذلك الطلب لأنه خارج صلاحياته.
وقبل يوم من شهر ايلول اوقف الصدر اشتباكا استمر 18 ساعة استخدمت فيه الهاونات والمدافع داخل المنطقة الخضراء بين انصاره وقوات مجهولة في الداخل وهم فصائل بحسب الرواية الصدرية.
وعقب ذلك قرر الصدر التحول الى «مواطن عادي» بعيدا عن السياسة، بحسب ما جاء في مؤتمر الصحفي الذي هدد فيه باتخاذ اجراءات اخرى إذا لم ينسحب انصاره خلال ساعة واحدة من الخضراء وانهاء كل مظاهر الاعتصام.
مشهد الانسحاب من الخضراء
ولم تمر دقائق على المهلة حتى بدأ أنصار التيار بالمغادرة، وعقب ايام دخلت مفاوضات الإطار التنسيقي المرحلة الجادة في التفاهم مع حلفاء الصدر السابقين وتم تشكيل «ائتلاف ادارة الدولة» الذي دخل في تنافس على الحصص لتشكيل في النهاية حكومة محمد السوداني.
وبدأت الحكومة اول اعمالها بإلغاء مئات القرارات التي اتخذت في السنة الاخيرة من حكومة الكاظمي (حكومة تصريف اعمال)، وتصارع الإطار التنسيقي للحصول على الوظائف الرفيعة الشاغرة والضغط لإبعاد الصدريين من المواقع الحكومية.
ثم انشغل الجميع بقضية «سرقة القرن» بعد اكتشاف اختلاس نحو 4 تريليونات دينار من اموال هيئة الضرائب، كشف السوداني بعد ذلك عن اعادة 10% منها فقط بصفقة ابرمت مع نور زهير، أبرز المتورطين بالسرقة، مقابل إطلاق سراح بشكل مؤقت.
وتم خلال هذه الفترة تداول اسماء كثيرة على علاقة بالحادث وتورط فصائل في تدبير السرقة وموظفين كبار في البنك المركزي، والمخابرات، والضريبة ودوائر اخرى، كما انتقد أطراف من «الإطار» إطلاق سراح نور زهير المريب.
وبدأت الحكومة بعد ذلك بتنفيذ بنود الاتفاق السياسي الذي ابرمته مع القوى السنية والكردية لتشكيل الحكومة. وكان كل شيء ممنوعا في الحكومات السابقة قد أصبح مباحا هذه المرة حيث اعاد الإطار التنسيقي تفعيل لجنة المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها مع الاقليم وخصص اموالا لها، كما اقترب من حل هيئة المساءلة والعدالة بعد مماطلة استمرت 17 عاماً.
واثناء ذلك فقدت الحكومة السيطرة على انهيار الدينار العراقي امام الدولار، بسبب قيود من الولايات المتحدة على تورط فصائل في غسيل الاموال وتهريبها الى إيران ولبنان ودول اخرى، فيما كان «الإطار» يتجاذب بسبب انتعاش العلاقة بين الحكومة وواشنطن وهو ما أغضب أطرافا مقربة من طهران.
وعاد المراقبون يحذرون من “ثورة جياع” قد تنطلق في اي وقت وتوقعات بتغييرات سياسية في الربع الاول من العام المقبل، وهي ذات التحذيرات التي كان قد أطلقها السوداني العام الماضي بسبب رفع سعر الدولار، قبل ان يصبح رئيسا للحكومة في تغريدات على توتير حذفها بعد ذلك بسبب الضغط الذي يتعرض له من الداخل والموافقة على الشروط الامريكية بإغلاق 16 مصرفا متورطا بغسيل الاموال وتهريب الدولار.