TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الوحوش في غابة الحلم

قناطر: الوحوش في غابة الحلم

نشر في: 19 فبراير, 2023: 10:41 م

الى جاسم الاسدي

طالب عبد العزيز

حتى وقت قريب- وفي الطفولة بصورة أدق- توقَّفَ الخوفُ عندي على صورة الغابة، الغابة المُتخَيلة في قصص الجدّات، أو المسموعة في الحلم، والمشاهدة في الرسوم المتحركة، ربما. أقول حتى وقت قريب، لأنني، لم أفق من طفولتي تلك إلا متأخراً، وربما لم أفق بعد،

ففي أمكنة مُشْجِرة، كثيفة، كثيرة رأيتها.. كان الخوف ذاك يعاودني، مثلما تعاودني الطفولة ذاتها، ايضاً. لكنَّ الخوفَ والطفولةَ معاً شيء جميل! أنْ تخافَ وأنت طفل يعني هناك من يفزع اليك، ويأتي ليخلصك مما تشابك حولك، وتراءى لك من الوحوش، لكنْ، أنْ تخافَ وقد تجاوزتَ الطفولة الى تذكِّرها لا غيرَ، لهو الرعب بعينه.

كانت صورة خبير المياه والاهوار، الناشط المدني جاسم الاسدي، وهو يختزل جسده في بدلة بسيطة، بدلة اختطافه، ولا يقوى على تحرير كلمة، محاطاً بأفراد أسرته المائية، بعد إطلاق سراحه، هي ما عناني في كتابة المقدمة الطللية أعلى السطور هذه. أما صورته وهو يقفز من الزورق، طائراً الى الماء، منتشياً فهي الأكثر طفولة من كل ما رأيته في احلامي، كان الجسد الذي قارب السبعين عاماً مفعماً بانتصار ما، منسجماً مع لحظة علوية، طارت به، كيف لا، وقد كان أول الفرحين بعودة المياه الى الاهوار بعد احتباسها الطويل، صورة الجسد وهو عالق بين الزورق والماء هي الاكثر صدقاً بين كل قول عنه. نحن لا نسترد طفولتنا إلا في لحظات نادرة، ذلك لأنها تنزوي في ركن ما من الحلم، تظل قابعةً بين أشجار الحلم الأولى، هانئة بالخوف المعلوم، الذي سينجلي بعد وصول الأكف الاولى.

بعد إطلاق سراحه، وفي المقطع الصوتي الذي تداولته الاسماع بدا جاسم الاسدي منهكاً، تحدث عن تعذيب جسده بالضرب، وعن تعليقه من يديه، وعن عصْب عينيه، وانتقاله من مكان مظلم الى آخر مظلم ايضاً، فكان منكسراً، يكثر من شكر الذين أسهموا في فك اختطافه، ثم أنه راح يكرر الشكر، حتى بدت كلماتُه بشكرهم أكثر من حديثه عن ما أصابه وصار اليه. يقول فرناندو بيسوا:" خلال سنوات مديدة، سافرت بحثا عن طرق في الاحساس. والآن، ما دمت قد رايت كلَّ شيءٍ، واحسست بكلِّ شيءٍ، يتوجب علي ان انكفئ على نفسي، ان اشتغل قدر مستطاعي في كلِّ الميادين التي اطالها، لدفع الحضارة نحو التقدم، وتوسيع وعي الانسانية».

لا تمنحنا المواقعُ الالكترونية صوراً لجاسم الاسدي إلا تصاويره التي يظهر فيها مستقلاً زورقاً، يجذِّفُ فيه، أو يوجّهه ناحية ما، وسط غابة الماء والقصب والشموس، التي تحيطه، لكأن الرجل لم يُرَ على اليابسة.كثيرون مثلنا لم يسمعوا به ربما، قبل حادثة اختطافه، مع أنَّ أسرته المائية تعرفه بوصفه واحداً من خبراء البيئة والاهوار، وأنَّه ظل يسعى بجهده الشخصيِّ الى إعادة الحياة للطبيعية هناك، وبما ينتفع به قومُه، بما بين أيديهم فيها. إذن كان الاسدي قد استوفى معاني وجوده وغرضه الشخصيِّ، فذهب الى ما هو انساني وأبعد من ذلك. لكنه، اصطدم بوحوش الغابة غير المحلوم بهم، فأخذوه الى أقبيتهم، في لحظة يئسَ فيها من الايدي التي تهبُّ لإنتشاله. كان الاسدي لحظتئذ قد تجاوز احساسه بلحظة غابة الطفولة الى تذكِّرها بين الايدي التي انهالت عليه بالضرب طوال خمسة عشر يوماً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram