TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: البنادق في التاسع من نيسان

قناطر: البنادق في التاسع من نيسان

نشر في: 8 إبريل, 2023: 09:50 م

طالب عبد العزيز

أيُّ خيبة كبيرة تلك التي يستحضرها العراقي في التاسع من نيسان هذا؟ وأيُّ احلام هذه التي سحقتها الأقدام؟ ومن هذا الذي يتلمس في الافق شمعته، شمعة عمره المتبقي، أو شمعة مستقبل ابنائه وأحفاده..؟ وقد مرت عشرون عاماً، تعلم ثم استمرأ خلالها كل فنون السحق والضيم والقهر والإنجماد امام الحقيقة. ترى، من أيِّ الآفاق ستشرق أنوار الوعود، وقد أمسك الاخوة الاعداء بأسبابها وأغلقوا على القلب آخر نافذة فيه.

نحن نرتكب خطيئةً إذا احتفلنا بسقوط النظام، لا لأنه كان فردوساً، أبداً، إنما لأنَّ الامل بالحياة، حيث نرغب ونتطلع، سقط في نفوسنا قبل سقوطه، فقد داسته دبابة المحتل في البداية، ومن ثم هرسته ماكنة الثأر الايرانية، وما زالت تهرس به، حتى لم يعد املاً، هو نثار أيامنا التي ظلت واقفة على أبواب الحلم أربعين سنة ويزيد، هو عرش الحرية الذي تهاوى على رؤوسنا ولم ينج منه أحد. نعم، أكل جمهور عريض من العراقيين الدجاج طازجاً من الكفيل، وألتهمو اللحم احمره وأبيضه أيضاً، وصار يؤتى بالسمك من السوق مسقوفاً الى البيوت، وتصدق الميسورون على الفقراء بما يضمن دخولهم الجنة، ووقف السادة الاجلاء وغير الاجلاء طوابير أمام الاضرحة، خاشعين، ضربوا صدورهم، وشجوا رؤوسهم، وقبالة المشهد ذاك وقفت النساء تتوسلهم ألا يذهبوا بعيداً في أحزانهم، النسوة الأيامى والحزانى اللواتي فقدن أزواجهن وآباءهن وأشقّاءهن وقفن طويلاً.

بعد عشرين سنة، ترى، ما الذي ظلَّ من لحظة سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس؟ غير ظلال الصورة التي يتنعم بها الحكام الاسلاميون اليوم، وماذا بعد لحظة الثأر تلك؟ ماذا بعد التشفي وسحب الخريطة الى الشرق غيرَ جنيِّ المليارات، ومصادرة الأرواح والحريات، ووقوف مئات الآلاف من العراقيين على سلم المصائر الضائعة، لا صاعدين ولا نازلين. لا تبعد المدرسة الابتدائية عن البيت أكثر من خمسمئة متر، لكني، لست آمنا على ابنتي، لذا القت أمُّها على رأسها القماشة السوداء، ربطتها باحكام، فهي تقف دامعةً بها، خائفة من بندقية الشرطي عند باب المدرسة، ومنذ عشرين عاماً وأمُّها تحذّرها من السائق والمعلم والفراش والطالب الذي بجوارها، ومن الكلب السائب في الشارع، ومن البقرة التي تجول في الحديقة، ومن سائق الستوتة خشية أنْ يدهسها بعربته، أمُّها تحذرها من خريطة الكون الذي يحيط بها.

بنيت بيتاً كبيراً وملأته بالذكور والاناث، كنت أرى بانهم غير مجزين لاعمال البستان، حيث املك، وما انتفاعي بهم إلا لهذه، لكنَّ الماء انقطع عنه، وفعلت الجرّافات فعلتها بالنخل والانهار واشجار التوت،ثم تدفق الذين لا أعرفهم، من كل صوب، جيرانا وملثمين ومسلحين لهذا اشتريت بندقية، واشترى ابني الاكبر مسدساً، وصار الاصغر منه يحمل سكيناً.. نحن غير آمنين منذ ربيع العام 2003، لأنَّ، كل الذين ذهبوا الى معارك الطوائف عادوا باسلحتهم الى بيوتهم، فهي بحوزتهم، يستلونها في مناسباتهم، ويقتلون بعضهم، ويقتلون غيرهم أيضاً، وقد لا يقتلون كلباً، لكنَّ الرغبة بالقتل قائمة بين ايديهم وفي قلوبهم، هناك فجوة قديمة في نفوسنا لا تردم إلا بالرصاص،لأنَّ الكلام لا يسعف أحداً، اما اللطف والسماحة فقد ذهبا الى بيت لا يدلنا عليه احد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. طالب البلجاني

    قناطرك في غاية الجمال عزيزي طالب

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram