TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: متحف البورسلين

باليت المدى: متحف البورسلين

نشر في: 7 مايو, 2023: 09:59 م

 ستار كاووش

كنتُ أتهيأ للصعود على السلم الحجري لقلعة مدينة دريسدن التي إنتصبت فوق ثلاثة قصور، وإذا بي ألمح على الجانب الأيمن سلماً آخراً يؤدي الى متحف البورسلين، كما تُشير اليافطة الكبيرة التي وُضعت هناك، (لكن هل يوجد حقاً متحف للبورسلين؟)

هكذا تساءلتُ مع نفسي وأنا أغير طريقي نحو مكان اليافطة، وأتأكد بأن مدينة دريسدن لا تريد الكف عن منح مفاجئاتها الجمالية التي لا تتوقف. في نهاية السلم اللولبي، إنفتحَ باب زجاجي كبير، إستقبلتي عنده إمرأة ترتدي البدلة الزرقاء لموظفي المتحف ودعتني للدخول.

هكذا كانت جولتي في عالم البورسلين، هذا الفن الساحر الذي كان أحد إبتكارات الصين العظيمة، حيث يتم فخره بدرجة حرارة عالية جداً، ومن أهم مزاياه، إن لونه لا يتغير أبداً، حتى لو بقي تحت سطح الماء عدة قرون، كما عثر عليه في حطام السفن الغارقة. وكان يستخدم في البداية لصناعة الأواني والأطباق والأكواب وغيرها من أدوات الطعام والشراب، لكن الصينيون طوروه بشكل مذهل وجعلوه متيناً جداً، ليدخل في صناعة أشياء كثيرة فيما بعد، تبدأ بصناعة الأسنان، ولا تنتهي عند صناعة العوازل (لأنه متين ويقاوم العوامل الجوية ولا يوصل الكهرباء).

وعودة الى المتحف الذي إبتدأ برواق طويل توزعت على جانبيه المرتفعين معروضات البورسلين التقليدية التي تعود الى فترات متفاوتة، مضيت أكثر داخل الرواق الذي إلتمعتْ جدرانه بالمعروضات الملونة، معتقداً بأن كل معروضات المتحف الأخرى، ستكون عبارة عن قارورات وأواني وجرار ملونة. لكن ما أنهيت هذ الجانب من المتحف حتى أنفتح أمامي عالم من السحر الذي لا يُقاوم. جمال وأناقة لأشكالٍ تشبه الموسيقى. حيث لا يمكن أن يدخل أي إنسان وسط هذا العالم ولا يتملكه سحر فريد وتأثير ممزوج بالنشوة التي تتركها الأشكال التي تتكور وتنحني وتتوازن، لتتناغم وتتعانق في النهاية وكإنها تغازل بعضها البعض. لأول مرة أقف أمام أعمال فنية من البورسلين بهذا الجمال الأخاذ، ولم أتوقع إن هذا النوع من الفن يمكن أن يتجاوز الأواني وأدوات الزينة ليتحول الـى بورتريهات وتماثيل تشبه أعمال عصر النهضة، وتمتد الابداعات ليتحول البورسلين الى مناظر طبيعية، وطيور وزهور ملونة صنعت بشكل يبدو تعجيزياً. أشكال لا تخطر في ذهن أحد، حيث ترى في هذه الزاوية مجموعة من الملائكة يحلقون حول إناء غريب الشكل مغطى بالورد ويعلوه تاج يجعل المشهد أكثر غموضاً، ويقابله مجموعة من الأباريق والقوارير الملونة التي تحولت عروتيها الجانبيتين الـى وجوه نساء يضعن الريش الملون على رؤوسهن. أمضي قليلاً في المتحف، لأتوقف أمام مشهد نحتي صنع كله من البورسلين ويمثل شاباً يجثو على ركبتيه، مُعلقاً على ظهره بوقاً وتحيط به مجموعة من الحيوانات الأليفة والأشجار. أمضي أكثر داخل المتحف، لأتوقف هنا وهناك أمام مشاهد حفلات رقص وطقوس جمال مرهفة وحتى صراعات تشير الى أيام بعيدة مضت، ولا يخلو الأمر من مشاهد مقدسة مثل صلب المسيح الذي يحيطه بعض الاشخاص المتضرعين وكذلك الرومان المتغطرسين. أنواع مراكب تتقدمها نساء بكامل الزهو والفتنة، وأشكال قلاع مرهفة الصنع والدقة، ولا ينتهي الأمر عند جرار ضخمة جداً تقف بهيبة وتعلوها رؤوس بشرية غامضة. قاعات كبيرة وواسعة تفتح أمامي وأنا أسير وسط حقل البورسلين الذي لا يريد أن ينتهي. أعرف إن الفن ليس له حدود، لكن هذا المتحف أكد بأن الجمال باقٍ أيضاً وينمو مثل أشجار الطبيعة التي لا يمكن أن تتوقف عند حد. في هذا المتحف تأكدتُ بأن خطوات الإبداع تبدأ بيافطة صغيرة مثل تلك التي رأيتها عند باب المتحف. يافطة صغيرة، لكنها مفتاح يُفضي الى السحر. في هذا المتحف إمتزج الرسم والنحت والتصميم والخزف وصنع الزجاج في فن واحد هو فن البورسلين الذي يحمل الكثير من العظمة والتأثير، ويجعلك تفكر بالأيدي الانيقة التي حوَّلَتْ الطين الى هذه العجائب الصغيرة والكبيرة. هنا، في هذا المتحف تحسستُ كيف صارت هشاشة البورسلين قوة وكيف أصبحت نعومته طاقة تغشي البصر. وكإن المادة التي صنعت منها هذه التحف تملك روحاً محملة بقوة البلاد التي صُنعت فيها ومنحتها هذه الأهمية الاستثنائية. ووسط كل هذه التفاصيل ينبثق السؤال الحقيقي والأكثر أهمية: من الذي جمع هذه التحف على مرِّ القرون وإهتم بها كل هذا الوقت، وحافظ عليها لهذا الحد؟ ولم يكتفِ بذلك فقط، بل جعل لها متحفاً مبهراً، سيبقى شاهداً على صناعة تاريخ جمال البلاد التي تفتح الأبواب للغد، بلادٌ لا تضع الأسوار والجدران والفواصل بين جدران المدن. الجمال يقول كلمته هنا، فيما أنا أقف متأملاً وأحصل بكل يسر على هذا السحر، يملؤني الإمتنان وشاكراً بالتأكيد نعمة هذا العالم الذي يعمل لنرتاح، ويبتكر لنتأمل، ويبحث لنجد، ويبني لنعيش.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: دستوركم أعرج

 علي حسين كانت كل الأبواب مفتوحة أمام العراقيين ليعيشوا في أمان واستقرار بعد عقود من الحروب والاستبداد، واعتقد المواطن العراقي أن سقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس كان إيذاناً ببداية عهد جديد في...
علي حسين

الوضع في الشرق الأوسط: بين سيناريو المفاوضات والغارات الجوية

د.فالح الحمـــراني أبقت نتائج الجولة الأولى من المباحثات الامريكية الإيرانية في مسقط الجمعة*، التي اقترحتها تركيا ومصر لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، والتي تصاعدت منذ وصول القوة الضاربة الأمريكية، االأفق مفتوحة لكافة السيناريوهات بما...
د. فالح الحمراني

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

محمد الربيعي* في مقالة لافتة للدكتور عبد الكريم بكار بعنوان «خذوا النفط.. وأعطونا الكتاب»، استعاد فيها عنوان مقال توماس فريدمان الشهير Pass the Books, Hold the Oil – نيويورك تايمز، 2012، ليؤكد أن الثروة...
د. محمد الربيعي

كردستان سوريا: عامل تعديل في التوازنات الإقليمية الناشئة

لويس دي بامبلون ترجمة: عدوية الهلالي اجتازت الأحداث التي بدأت في كانون الثاني 2026 في شمال شرق سوريا عتبة سياسية في 30 كانون الثاني بإعلان قوات سوريا الديمقراطية وقفًا شاملًا لإطلاق النار والتزامها بعملية...
لويس دي بامبلون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram