مهدي الساعدي
تجمع ام نجم الطين على شكل كتل متراكمة قريبا من النهر الصغير الذي يمر بالقرب من دارها، بعد ان تستخرجه من ضفافه شريطة ان يكون الجمع قريبا من الماء، كونه طينا مترسباً من الغرين ويعد جيدا للصناعة وتسميه (طين حري).
تسكن ام نجم في احدى القرى التابعة لناحية المشرّح جنوب شرق مدينة العمارة في منزل بسيط، وتعمل بجهد في صناعة الطين من اجل الحصول على لقمة العيش، لمساعدة زوجها العاطل عن العمل واكثر الاشياء التي تصنعها ام نجم وتجد اقبالا عليها هو (التنور) الطيني.
تعتبر الصناعات الطينية من اقدم الصناعات التي عرفها الانسان وبقيت ملازمة لحياته خصوصا البسيطة منها، والتي تتناغم مع البيئة التي يعيش فيها، ويعلل المراقب للشأن المجتمعي ماجد عيدان في حديثه لـ(المدى) "ما زال ابناء القرى والارياف وابناء الاهوار في مختلف المحافظات الجنوبية، يستخدمون الطين في صناعة وتشكيل الكثير من لوازم حياتهم اليومية لعدة اسباب، يأتي في مقدمتها خبرتهم في التعامل مع الطين كونهم استورثوها من الاسلاف، ولسد حاجاتهم الاساسية وتحولت عند البعض الى مصدر رزق".
تنقل ام نجم كتل الطين التي جمعتها من ضفة النهر الى مكان العمل، وعادة ما يكون منطقة ضمن الدار خصصتها للغرض، واول خطوات العمل (تخمير) الطين من خلال خلطه مع التبن وتركه مدة من الزمن، لكي يتجانس ويكون متماسكا اثناء العمل والتشكيل، ويعطي دعامة للطين في اي شكل تصممه وتجنبا لحدوث التشققات مستقبلا.
"التنور هو اكثر الاشياء التي اقوم بعملها، بالاضافة الى صنع (الطابك) وبعد اتمام صناعتها وجفافها اقوم ببيعها، واحيانا تُطلب مني مواصفات اخرى لصنع التنور من ناحية الحجم، واقوم بفخرها احيانا". تقول ام نجم لـ(المدى).
وكثيرا ما استهوت صناعة التنور الطيني الكتاب والمدونين، ويبين المدون مصطفى محمد لـ(المدى) "صناعة التنور الطيني حرفة أمهاتنا وجداتنا يسعفهن ما تراكم لديهن من خبرة متوارثة، ويعد الهوية المميزة لأبناء الاهوار والقرى القريبة منها، ولا غنى عنه بالنسبة للعوائل التي تسكن الريف إذ اعتادت النساء منذ زمن طويل على استخدامه للخبز".
لم تقتصر الصناعات الطينية على صناعة (التنور) فقط، بل هناك استخدامات طينية اخرى مازالت قائمة لغاية اليوم في القرى والارياف في مناطق الاهوار، في محافظة ميسان والمحافظات الجنوبية الاخرى.
عباس كريم احد ابناء الاهوار يوضح اهم استخدامات الطين، التي ما زالت قائمة لغاية اليوم في معرض حديثه لـ(المدى)؛ "يُستخدم الطين في العديد من الاغراض منها بناء البيوت، والتي اقتصرت في الآونة الاخيرة على الماشية وتدعى (السترة)، او لأغراض اخرى في بناء غرف طينية (جمالي)، بالاضافة الى استخدامه في تغطية مخزون حبوب الحنطة والشلب بعد لفه بحصير القصب (الباريه) ويغطى بالطين وتسمى (الصبة)، ويستخدم في صناعة (الطابك) الذي يخبز عليه خبز الطابك، بالاضافة الى صناعة مستلزمات اخرى منها القوالب التي توضع عليها الاشياء وتسمى (مركه)، اضف الى ذلك وضعها على اسقف المنازل لمنع دخول مياه الامطار عبرها".
الحاجة التي دفعت ام نجم وغيرها من نساء القرى الى امتهان صناعة الطين، ساهمت في سد ولو جزء بسيط من احتياجات ذوي الدخل المحدود، لعوائل القرى والارياف الجنوبية.










