TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: خمس محاولات لكتابة قصيدة

قناطر: خمس محاولات لكتابة قصيدة

نشر في: 22 يوليو, 2023: 10:37 م

طالب عبد العزيز

اكتشفْ الحديقة، اذهبْ لآخر أنفاس الورد فيها، وخذ الساقية الصغيرة الى حيث تقفُ، في الزاوية الظليلة تلك، هناك تراب لم تطاه قدمُ أحد من قبل، وفي المهمل من الضوء تستريح منْ ما تزال على عريها، خذ مُلاءة الخوف عنها، وتقدَّم منها بملاءة الرضا. تحت شجرة التوت بقيا مما تخاصمتما عليه العام الماضي. أوقظها بقبلة، وارفعها بعناق، فالطريق الى السرير سالكة، نؤْ بأجمل ما حملت في يديك، أنت أحقُّ من الخريف بتجريد الغصون.

2

الطريق التي تدلُّ عليكِ تدلُّ عليكِ أيضاً، والذين ذهبوا الى الشمال ذهبوا الى الشمال كذلك، ومن الجسر تفارقه يداكِ، ما فتأتْ تفارقه، تأتي ذكرى ثوبها من الذهاب، ومن الايّاب تأتي، وكما هي الافاريزُ تُمسِكُ بها تُمسكُ بكَ. والى أين أنت آخذٌ الليل، سأكون حيث أنت، لأنني عقدتُ حبل المسرات على خصري، وأضعتُ عربة الضوء، حيث لم يضع أحدٌ عربةً من قبل. يتسقلكِ ياسمينُ السياج لأنك الضوء، الذي لم يكُ ضوءاً حسب، ويتكسرُ تحت بطنك زجاج الندم، فلا يمرُّ الوقتُ إلا أحمرَ لزجاً، ويتخطاك ذئبُ الإنتظار إلى البريّة، لِمَ أخذتِ ثورَ العناق الى زريبة الخجل؟ منذ ثلاثين ونيّف وأنت تحملين الى السرير وسادتك الناصعةً، لم تنل منها قرونُ قبل الفجر، ولم تنهشْ كتفيكِ أصابعُ الجنون.

3

آخرُ فزعٍ لي كان بطنك البارحة، وآخرُ عهدي بالفراق قبلة. قبل عطرك ما كنت أحسن الظن بالاباريق، وقبل شعرك لم اتخذ الليلَ مُلاءةً، أول عهدي بالورد رقبتك، وآخرُ ممعنٍ بالغياب فرسُ نحولك، خارج حيطان جسدك لا معنى لوصول. وداخل أسوار عينيك لا معنى لغياب، لا، لم أكُ حزيناً كما يجبُ، فقدتُ ذراعك في حربي مع النسيان، ليس الا، ولم أكُ سعيدا كما ينبغي، بنيت منزلا على النهر، وأنتظرتك، حسب، ولم أكُ ثريا كما يظنُّ كثيرون، عندي من بلابل حضورك عشرٌ، ومن حقول غيابك ما شاء الله من اللقالق، أيتها المقبرةُ، لم اكُ يتيما ما فيه الكفاية، أخذت القطاراتُ أغنيتي حسب.

4

يتبقى من قميصِكَ على الحبل ما كنتَ تُهمله،أنتَ تأخذُ ما لستَ تاخذه من النهر، وتسحبُ حبلَ الليل فينقطعُ الليل، أنتَ لا تعلم من الحبال إلا ما ينقطع بالشجن والغياب. كل عرجون يتدلى بين يديك أبٌ، وكل ليمونة تعصرها وجهُ أخٍ يموت، وكل أرجوحة تقذفُ بك ضحىً لا يتكرر، ولا يعود، الذاهبون الى النهار علقت أسماؤهم بالنخل، والعائدون من الليل لم تنصفهم الانهار، والمطر الذي أزحته عن رقبتك سيظل مطراً هناك، أنت تاخذ نصف الريح ونصف الانتظار من سنأخذُ بيده الى التوت يا ترى؟

5

لا أمتدح الأزمنة. المديح للمكان حسب. شجرة الأكاسيا بالحديقة في ضاحيةٍ بالأعظمية صفراء تحت الشمس، ومتاجر ثياب العرائس في المنصور أكثر مما يحصه المتبضعون، من أراد أن يغيّر شكل الماء في البحيرة فليفعل، ومن لم يعثر على أغنيتهِ في الضوء فليفتش في خريدة الظلام عن قلبه، ومن كانت ضالته في الآجر حسب فليأخذ منه ما يشاء. النساءُ البديناتُ يودعنَّ الاملَ في خزانة الوقت، والليل لم يقم من نهاره بعد. لكنَّ الفتّية في الضاحية، ذاتِ الضوء، مازالوا في أسرتهم بعد، يتصببُ الحليبُ في قمصان أمهاتهم، ثمة من يلقي باللائمة على ورد السياج، وهناك من يبحث في المعجم عن كلمة مناسبة. لا المركبة الفارهة، ولا الباب الحديد، يرصدها الجندي، ولا الكرسيُّ في الحديقة العامة، كلهم يكذبون.. على حافة الرصيف، في الفضاء الرطب حيث ينتصب عمودُ الرخام، يتذكرُ الايدي، التي رفعته، ظلت الرِّيحُ بيضاءَ تصفع وجوه الاطفال عند البحيرة، وكنتَ اللحظة المنسية في توقيت العناق.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram