سهيل سامي نادر
سبق أن كتبت عن المدى بمناسبة ذكرى تأسيسها: المشاكل الأولى لتأسيس صحيفة عراقية ديمقراطية في ظروف الاحتلال والإرهاب والأخطاء الكبرى التي استمر تأثيرها حتى اليوم.
لقد استحقت تلك الظروف المحيطة بهذا التأسيس تحليلاً سياسياً وأفكاراً بشأن ما تستدعيه ثقافة جديدة وبناء إعلام حر. كانت تلك الظروف قد حدّدت الكثير من استجاباتنا ومطالبنا، والكثير الكثير من اللغة السياسية نظرا لآن الاحتلال حوّل الفضاء السياسي الى مشكلة أمنية، ولأن أغلب القوى السياسية التي ظهرت على السطح فضّلت أسلوب العلاقات العامة ضيقة الأفق وليس بناء مشروع وطني ديمقراطي يعيد بناء الدولة. بالأحرى أسست هذه القوى سلطة هشّة تعتمد العلاقات العامة لتمثيل نفسها بوصفها طوائف وأثنيات، استعداداً لتمثيل نفسها في البرلمان والحكومة. على هذا النحو اختفت السياسة من الشارع وباتت تختنق هناك في المنطقة الخضراء وتستحيل الى لعب أولاد صغار يتعاركون على المناصب وتوزيع أسلاب الدولة العراقية المنهارة.
لقد ولدت (المدى) في الأيام التي كان فيها الناس يحكمون فيها إغلاق أبواب بيوتهم قبل حلول المساء: شوارع خالية، ورائحة شياط الحرائق ما زال عالقاً في أجواء مدينتنا العتيدة مختلطاً بروائح المجاري الطافحة، بينما جماعة المنطقة الخضراء قبلوا بتقاسم حرية مهددة مع جيش الاحتلال الاميركي، والاخيرون تقاسموها مع القتلة واللصوص والمليشيات السرية والجماعات الإرهابية التي عبرت الحدود بالتزامن مع خطوات الاحتلال الأميركي.
في تلك الأيام كثيرة الغموض، كثيرة الأحداث التي نسمع بها من دون توثيق مستقل، باشرت المدى تحليلاً سياسياً مستقلاً بمراجع أساسية مفهومة: الديمقراطية كممارسة شاملة، موقف لا يقبل المساومة ضد الاحتلال والإرهاب، تنشيط حياة المجتمع المدني، إعادة بناء الدولة العراقية على أسس ديمقراطية بعيدا عن الطائفية والعشائرية والتأكيد على المناقب الأخلاقية والكفاءة المهنية.
هذه المطالب الأربعة جرى تأكيدها والاصرار عليها مرة كهدف مستقل دعت فيها (المدى) القوى الوطنية لتبنيها، ومرة في سياق نقد الماضي الدكتاتوري وفضح أسسه الفاشية. والحال رأت المدى أن نقد الماضي يلتحق تماما بتلك المطالب، والتنبيه على عدم استخدام وسائله الفاشية، ثم عدم أخذه كذريعة للانتقام، وزرع المخاوف منه لتأجيل الانفتاح السياسي الديمقراطي. وفي هذا السياق جرى نقد جدي لقانون اجتثاث البعث الذي أدركت المدى مبكراً خطره على إعادة بناء الدولة، وعلى الوحدة الوطنية، وثبات نزعة الانتقام اللاأخلاقية، واستخدام هذا القانون كفزاعة ضد أي نشاط جماهيري مطلبي عادل ـ وهو ما حدث فيما بعد على يد الطائفيين وممثليهم المتعصبين.
عشرون عاما مضت على هذه الأفكار، لكن ما زالت أهم المشكلات العقدية الأساسية غير محلولة، ولاسيما قضية إعادة بناء الدولة. إن نشاط المدى المميز في هذه السنوات دار حول هذه القضية، لأن النظام السياسي عامل الدولة بمؤسساتها ومواردها كملحق ذليل، وكمورد دائم للصوصية لا مثيل لها. لقد جرى اقتسام الدولة باسم العملية السياسية والمحاصصة، واعتمدت ديمقراطية الصندوق الشكلية التي، حتى بشكليتها، تبدأ بأزمة وتحلّ باتفاقات طائفية محتقنة تتجدد كل أربع سنوات.
أتذكر تلك الأيام المليئة بضجيج الانفجارات وفضائح السلطة وسياسييها، حيث كانت الكتابة تقربنا من المشكلات الحقيقية مثلما تقربنا من المخاطر ومسدسات كاتمة الصوت. في تلك الايام نضّج كتّاب المدى ومحرريها أساليبهم في الفهم واختيار اللغة المناسبة وكتابة تعتمد الوضوح والنقد. أتذكر بوجه خاص قضية معقدة تصرف فيها الطائفيون كأميركان، والأخيرون كطائفيين الا وهي قضية الفلوجة التي انتهت باكتساح المدينة عسكريا وتحطيم بيوتها. وكانت المدى قد أكدت مراراً أن التصدي للإرهاب يمر عبر سياسة منفتحة غير طائفية. إنها قضية سياسية بالدرجة الأولى والتصدي لها بالسلاح هو آخر الحلول. قلنا هذا مراراً، لكن سياسة طائفية وانحطاط الحلول الأميركية شجّع على تشكيل بؤر إرهابية في مناطق سكنية بالضد من إرادة السكان المسالمين. أنا نفسي أعددت تقريرا، لم أضع عليه اسمي، عن الفلوجة وكيف أن الارهابيين اغتالوا عقلاء المدينة لكي يتسنى لهم السيطرة عليها. في الاكتساح الأميركي للمدينة أصدرت المدى ملحقاً خاصا باسم "الفلوجة" دفاعاً عن أهالينا ووجود المدينة باسمها وتاريخها. هذا الموقف المبدأي لا يساوي أشياء غير متساوية، فالمدى وقفت ضد الإرهاب، ومع أهالينا في الفلوجة ضد العمليات العسكرية للمحتلين، وضد الطائفيين الذين وقفوا مهللين خلف المحتلين.
يمكن دائما تبني مواقف متعددة رابطها الوطني والديمقراطي يبعد أصحابها عن الخداع واللعب السياسي والتفاهة. هذا ما خبرته في سنواتي التي عملت فيها في المدى.
تحياتي للزملاء والأصدقاء العاملين في المدى في الذكرى العشرين على صدورها.










