TOP

جريدة المدى > عام > موسيقى الأحد: بيوتر وناديجدا

موسيقى الأحد: بيوتر وناديجدا

نشر في: 23 سبتمبر, 2023: 11:30 م

ثائر صالح

يعج تاريخ الموسيقى بالقصص المثيرة، منها قصة العلاقة بين الثرية ناديجدا فون مَك (1831 - 1894) والموسيقي الروسي الكبير بيوتر إليتش تشايكوفسكي (1840 - 1893).

استلم تشايكوفسكي في العام 1877 رسالة من الثرية الروسية تخبره بأنها من المعجبين بفنه، وتكلفه في نفس الوقت لكتابة أعمال حجرة للكمان والبيانو حتى تعزفها في بيتها، إذ حصلت على تعليم ممتاز في العزف على البيانو. استمرت فون ميك بتكليف تشايكوفسكي لكتابة مختلف الأعمال، حتى وصل بها الأمر تخصيص منحة سنوية له قدرها 6 آلاف روبل ليتحرر من أعباء مهام التدريس في كونسرفاتوار موسكو ويركز على العملية الإبداعية وكتابة أعمال قد لا نسمعها اليوم لولا الدعم السخي من هذه السيدة. ولتقريب قيمة هذا المبلغ إلى الذهن، تذكر المعطيات أن مرتب الموظف الصغير في روسيا كان بحدود 300-400 روبل في العام وقتئذ! هناك ثلاثة أعمال كتبها أهداها لهذه السيدة: السيمفونية الرابعة (1877) مجموعة الكمان والبيانو "ذكريات مكان عزيزي" (1878) والمتتابعة رقم واحد (1878-1879).

لم تكن هذه العلاقة اعتيادية، فلم يحدث أن التقى الاثنان، حتى في مراسيم زواج ابن السيدة بإحدى قريبات تشايكوفسكي، وهي زيجة دبرها الإثنان. بالمقابل تبادلا الرسائل بشكل لافت، فهناك أكثر من 1200 رسالة متبادلة بينهما خلال الفترة 1877 - 1890. وكانت فون ميك قد طلبت منه في سنة 1890 إتلافها وتوقفت عن كتابة الرسائل بسبب اشتداد المرض عليها، لكنه لم يفعل رغم وعده بذلك.

ولدت ناديجدا فرولوفسكايا في عائلة من ملاكي الأراضي الأثرياء، وورثت عن أبيها عازف الكمان الهاوي حب الموسيقى وتعلمت العزف على البيانو. تزوجت ناديجدا من المهندس كارل اتّو فون ميك (وهو من ألمان بحر البلطيق في ريغا) في 1848. شجعت ناديجدا زوجها على دخول عالم الأعمال بالعلاقة مع اختصاصه في بناء السكك الحديدية ونجح فيه بمساعدتها ودعمها وجمع ثروات طائلة مكّنتها من دعم الجمعية الموسيقية الروسية والموسيقيين.لكن زوجها توفي بصورة مفاجئة في 1876 فتولت بعدها إدارة أعماله، وواصلت دعمها للموسيقيين، من بينهم الفرنسي كلود ديبوسي الذي كاد أن يتزوج إحدى بناتها قبل أن يصبح واحداً من أشهر الموسيقيين الرومانتيكيين المتأخرين.

كانت فون ميك تقيم أمسيات للعزف في بيتها يشترك فيها عدد من الموسيقيين الشباب الذين دعمتهم مادياً، منهم نيكولاي روبنشتاين وهنريك فينيافسكي، علاوة على ثلاثة من تلاميذ تشايكوفسكي بينهم يوسف كوتك، وهو الذي لعب دور الوسيط بينها وبين تشايكوفسكي. يوسف كوتك هذا كان في علاقة مع تشايكوفسكي أثناء دراسته في الكونسرفاتوار. في الحقيقة كان تشايكوفسكي يعيش حياة مزدوجة، حياة الفنان العظيم الناجح في العلن، وحياة الرجل المثلي السرية الإنطوائية المليئة بالإكتئاب خوفاً من ردود فعل المجتمع، الرجل الذي يفعل ما في وسعه لإخفاء حقيقة ميوله الجنسية. لهذا قام تشايكوفسكي بالزواج من ميليوكوفا، إحدى طالباته السابقات التي أمطرته برسائل الإعجاب ثم الحب والغرام، أملاً في الخروج من هذه الازدواجية الجهنمية. لكننا نعرف أن هذا الزواج الذي حصل في 1877 قد انهار سريعاً، لذا جاءت المراسلات الكثيفة بينه وبين فون ميك في الوقت المناسب لتطويق أزمته النفسية الحادة آنئذ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

العثور على 1500 قطعة أثرية في ذي قار

دمشق تتسلم سجن الأقطان في الرقة وتباشر تدقيق ملفات السجناء

مجلس الخدمة: توظيف الخريجين مرتبط بموازنة 2026 واستقرار الرواتب

إعادة 100 مهاجر عراقي من ليبيا إلى أربيل

خمس مواجهات اليوم في استكمال الجولة 14 من دوري نجوم العراق

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

عثمانُ الموصليّ

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

مقالات ذات صلة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟
عام

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

لطفيّة الدليمي ليست مهمّة ميسّرةً أن يتناول المرءُ منّا كتاباً جديداً للدكتور عبد الجبار الرفاعي خارج سياق مشروعه الفكري الممتد؛ فالرجلُ لا يكتبُ كتباً منفصلة في موضوعاتها؛ بل ينسجُ نصوصه داخل أفق معرفي واحد،...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram