TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مرساة: الروس في مقهى الشمس

مرساة: الروس في مقهى الشمس

نشر في: 28 نوفمبر, 2023: 10:45 م

 حيدر المحسن

اسمها حانة روج (بالجيم المُضاعفة)، وتعني بالعربيّة (الشمس)، وتقع على بُعد بضع مئات من الأمتار عن قلعة أربيل. لكنّ المسافة تبدو قريبة للغاية، فأنت تطير إليها خفيفا وسريعا، كأنما على ظهر جناح.

النَّدامى هنا نفسُهم كلّ يوم، وأسماؤهم ثابتة على الطاولات، فهم أسرةٌ في بيت واحد. يقول سعدي يوسف: "أدخلُ الحانة الغريبة، مثلما أدخلُ بيتي"، لكنّ الشاعر لم يقصد الحانة (اليوميّة)، إن صحّ التعبير، واختار أن يقول (الغريبة)، أي تلك التي تقع في أيّ بقعة على سطح البسيطة، وإن كانت في أرض آكلي لحوم البشر. النبيذ المشعشع الحلو في الكؤوس فعّال على نحو سحريّ في جعلهم طيّبين وديعِين لذيذي المعشر.

في مدينة أربيل تجد الأوروبيّين في كلّ مكان، أمريكان وألمان وروس... أكثر مما تلتقيهم في باريس الشرق سابقا، أي بيروت. أربيل العراق غدت تنافس بيروت الشام، وتتفوّق عليها كثيرا. يا للزمان القُلّب الدوّار، وهذا بالتأكيد ليس موضوع حديثنا، فكلّ شيء جائز في هذا الزمان، وهو الأمر الذي يُزيد من سحر الحياة، فلو بقيت بابل وطيبة وبخارى، مدنا عصيّة على الموت والاندثار، لصارت الحياة مملّة مثل رواية واقعيّة لا يقرأها ويؤمن بها غير اللابثين في الدرك الأخير من السذاجة في التفكير والإحساس من الناس.

في المدينة كثير من الحانات، ولسبب غير معلوم، صارت مرساتك تضرب شاطئ "الشمس"، ويكون المستقرّ عندها في المساء. هنالك في عرض البحر جبال سحريّة لا تمرّ بالقرب منها سفينة، إلّا وعمل المغناطيس العظيم في قلب الجبل على أسرها. لا أدري إن كانت هذه القصّة حقيقيّة، أم أنها من بنات خيال بورخيس، في إحدى قصصه. وكان السفّانة يحسبون لهذه الجبال قبل بدء الرحلة ألف حساب، لأن لا نجاة منها ولا مهرب. وفي الأوديسة خبر السيرينات "عرائس البحر". كنّ ينشدن أغاني يسحرن بها من يمرّ في طريقهنّ، فيبقى بجوارهنّ مدى الحياة. ولكي ينجو من هذا المصير، ملأ أوليس، بطل الملحمة، آذان طاقم سفينته بشمع النحل، في أثناء تجذيفهم حيث تغني السيرينات، ليمنع سحرهنّ الوثيق والحازم.

لكن السحر في مقصف "الشمس" أوثق، وأكثر حزما وشدّةً. ودخل الحانة في ذلك اليوم ثلاثة رجال روسيّون، جلسوا عند المائدة القريبة. اثنان منهم ينتمون إلى جنس العمالقة، والثالث نحيف وطويل للغاية، يأكل بشراهة، ولم يقلْ كلمة طوال السهرة. طلبوا لترا من فودكا (أبسليوت) في دورق ثلج، مع علب بيرة ممزوجة بالويسكي من العيار الثقيل، أحاطت بالدورق مثل نجوم حول هالة القمر. كأس الروسيّ من الحجم الكبير، يملأه إلى ثلاثة أرباعه بالبيرة، وكي يكون دِهاقا، يَزيده بالفودكا الأبسليوت. بمرور الوقت امتلأت المنضدة بعلب البيرة، وأخذت تهبط إلى سلّة على الأرض، حتى امتلأت للأخير.

المطبخ هنا أكثر من رائع، وأسعار المأكولات زهيدة. مع هذا لم يطلب الروس أيّ شيء، ولا حتى قنينة ماء. كانوا يحملون معهم عندما دخلوا الحانة كيسَ نايلون كبير فيه كاجو (كازو)، وعلبة كرتون فيها كومة أقراص بيتزا. لم يطلبوا من النادل صحنا فارغا، وكانت الأيدي تمتدّ مباشرة إلى الكيس والعلبة، وأحصيتُ الصحون على مائدتي، وكانت اثني عشر. ثم أخذ العملاقان يهدران بالكلام، ويتناولان بين حين وآخر حبّة كاجو، بينما انهمك ثالثهم، الطويل والنحيف وشاحب الوجه، بلَهمِ حفنات من المكسّرات، ولُقُمات كبيرة من البيتزا.

أقام بيكاسو حفل عشاء لأصدقائه من الحزب الشيوعي السوفيتي، لمّا انتهى من رسم بورتريه لستالين. ولاحظت زوجته "فرانسواز جيلو" أنّهم يأكلون كميات غير معقولة من الطعام، وأجسادهم ضامرة وضاوية. دافع الرسّام عن ضيوفه، فهم يريدون تأكيد النظريّة المادّية حول المائدة، مثلما في أيّ مكان آخر.

الضوء الأخضر في الحانة يرمش، والعملاقَان يعلو صوتهما في الحديث. كانا يحاولان، على الأرجح، شرح مباهج عهد (بوتين) إلى (رفيقهم) الطويل والهزيل والشاحب، الذي كان غير مقتنع بما يقولون، ويكتم غيظه بواسطة الكازو والبيتزا، حالما بعصر ستالين السعيد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

 علي حسين على معظم شاشات العالم شاهدنا امس الاول رئيس كوريا الحنوبية السابق يعتذر للشعب ، بعد الحكم عليه بالمؤبد بسبب اعلانه للأحكام العرفية قبل اكثر من عام ، وقال انه " يأسف...
علي حسين

قناطر: "العيداني" في البصرة مطلبٌ عند أهلها

طالب عبد العزيز كان لمحافظ البصرة المهندس أسعد العيداني أن يكون أوفر العراقيين حظاً في تسنم منصب رئيس الوزراء لو أنه شاء ذلك، لكنَّ غالبية البصريين لا يريدونه هناك، ومن وجهة نظر خاصة فأنه...
طالب عبد العزيز

بيان من أجل المشرق: حوار عراقي سوري لتجاوز قرن من "الارتياب الأخوي»

سعد سلوم - بسام القوتلي كعراقيين وسوريين، ندرك اليوم أننا لا نعيش حاضرنا بقدر ما نعيش ارتدادات قرن كامل من الافتراق الجوهري. فالمسألة السورية في الوعي السياسي العراقي، ونظيرتها العراقية في الوعي السياسي السوري،...
سعد سلّوم

العراق بينَ ضغطِ الداخلِ وصراعِ الخارج: هلْ ما زالتْ فرصةُ الإنقاذِ ممكنة؟

عصام الياسري في ظل رفض الرئيس الأمريكي ترامب ترشيح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، وإصرار المالكي على تعيينه للدورة الثالثة وانتهاء المدة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية من الأحزاب الكردية. هناك رئيا...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram