TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > خراب البيوت لا يكفي

خراب البيوت لا يكفي

نشر في: 5 مارس, 2024: 10:52 م

ساطع راجي

تعيش البيوت السياسية (المذهبية والقومية) في العراق حالة فوضى وصراع منذ سنوات حتى وصلت الى الخراب، ولا يعيش ساسة أي مكون عراقي بسلام وتوافق داخل بيت منظم وهادئ، وصار صعبا أن تتفق مكونات أي بيت على أبسط القرارات.

قبل سنوات، كان الكثيرون يعلقون الآمال على خراب البيوت السياسية لظهور بدائل أكثر حيوية وقدرة على إدارة البلاد، وكان التوقع السائد إن طريق الوصول الى دولة قوية قادرة على فرض القانون داخليا وحماية سيادة ومصالح البلاد على مستوى العلاقات الخارجية، يمر بالضرورة فوق خرائب البيوت المؤسسة للنظام السياسي الجديد والتي أسست أيضا عثراته وعقده ومفاصل ضعفه وأخطرها "المحاصصة".

لم تظهر قوى بديلة عن قوى بيوت المكونات بل إن كل البوادر والأجنة لتكوينات سياسية جديدة تحولت الى كيانات ضعيفة ومفتتة تبعث على اليأس، إذ بعد حصول القوى الجديدة على عدد لا بأس به من مقاعد البرلمان في انتخابات تشرين 2021، لم يظهر أي إداء متميز ولا يكاد المراقب يلمس حراكا إستثنائيا في مجلس النواب يوازي مستوى الآمال والتوقعات، وفشلت القوى الجديدة في عقد تحالفات حقيقية فيما بينها لتكون رقما صعبا ولم تتمكن من حشد جهودها في تقديم مقترح لقانون أو تنفيذ عملية إستجواب، وسيطر الانشغال بالاعلام على عملها في البداية قبل ان يختفي معظم قادتها ورموزها حتى من الاعلام.

مع تفكك وخراب البيوت السياسية المكوناتية، رغم ما في الأمر من إيجابيات، إلا إن البلاد أصبحت بلا قوى وازنة قادرة على إتخاذ قرارات حاسمة في القضايا المصيرية، وتحول معظم قادة الأحزاب التقليدية الى واجهات للظهور الإعلامي والمشاركة في المناسبات بينما تفتت قوة القرار وإستولى عليها الأبناء والاحفاد والاصهار وأشخاص من الصفوف الخلفية، لا يظهرون كثيرا لكنهم مؤثرون ومتورطون بالفساد والصفقات المشبوهة، وإقتنع كل تنظيم سياسي بحيز محدود من الأنصار والمتخادمين يحاول أن يجعلهم أتباع ثابتين، ولذلك تكررت كلمة "أمة" كثيرا في الاستخدام الحزبي، مؤخرا، لتوصيف جمهور الزعيم أو أعضاء التنظيم وأنصاره، بعدما أصبح من الصعب التحدث باسم القومية أو المذهب.

فشل القوى الجديدة في التحول الى جبهة نشطة في البرلمان وإنغماس الكثير من عناصرها في السلوكيات التقليدية لأحزاب السلطة سيدفع الى تراجع المشاركة في الانتخابات مستقبلا ومن المتوقع ان تنشغل هذه القوى بمنافسة وتشويه بعضها البعض أكثر من إنشغالها بمنافسة القوى القديمة بسبب الاتهامات بالخيانة والخذلان، ومع ثبات جمهور القوى القديمة وتصلب شرايينها سنذهب الى برلمان أكثر تشتتا في حال غياب الصدريين.

من الطبيعي إن تشتت البرلمان وضعف القوى السياسية يؤدي الى حكومة ضعيفة على مستوى الأداء السيادي وحتى لو تمكنت من معالجة القضايا الخدمية فأنها ستتعثر في قضايا الأمن والعلاقات الخارجية.

خراب البيوت السياسية القديمة والخيبة التي تسببت بها القوى الجديدة يؤكدان إن الاحلام غير الواقعية أكثر خطرا من الواقع السيء.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: ام كلثوم تستقبلني في المطار

العمود الثامن: واشنطن راضية وطهران أيضا !!

 علي حسين عندما سُئل المستشار الألماني الراحل هلموت كول عن الصورة التي يتمنى أن يتذكره الناس بها قال: "مواطن ألماني"، قبل أربعة أعوام رحل عن دنيانا الرجل الذي قال لشعبه، وهو يشاهد جدار...
علي حسين

قناطر: بقارب مع شتراوس في الدانوبُ الأزرق

طالب عبد العزيز لم تأتك المركباتُ بمن تحب، ولم ينحدر من الجبل الصوتُ الذي تأمله وترجوه، وسفنٌ رصاصيةٌ تقتربُ من الخليج وتملأه؛ تحمل اليك الكدر والغربة والموت، وبنادقٌ مسعورةٌ لا تعرف وجهتها قد لا...
طالب عبد العزيز

على خلفية مؤشرات ازمة المياه في الشرق الأوسط: العراق مهدد بخطر فقدان انهاره التاريخية

د. فالح الحمراني أبرزت دراسة مفصلة تناولت أزمة المياه في الشرق الأوسط العراق كنموذج واضح على هشاشة التوازن المائي الإقليمي؛ إذ تعتمد البلاد بحوالي 98% من مواردها المائية على نهري دجلة والفرات، وكلاهما ينبع...
د. فالح الحمراني

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

غسان شربل لا تقل إنَّ لديك حلاً. أنت لست مهندساً ولا صانعاً، وليس من حقّك أن تسرقَ بريقَ الشاشات، أو مدائحَ التَّعليقات والمقالات. قدرُك أن تقيمَ في الظّل، وأن تُنسبَ الأشياء لغيرك. الحلُّ يأتي...
غسان شربل
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram