TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > لماذا نتذكر؟

لماذا نتذكر؟

نشر في: 25 مارس, 2024: 10:00 م

كرم نعمة

لا يوجد شغف مثل أن تفكر بمضمون كتاب ما على مدار سنوات وتجده أمامك، وكأن المؤلف الذي لا تعرفه ولم تقرأ له من قبل كان يشترك معك في التفكير بوضع متن كتابه.

ذلك الشغف والحماس شعرت به وأنا أقرأ عرضاً عن الكتاب الذي كنت أبحث عنه من دون أن أعرف عنوانه!

فعالم الأعصاب تشاران رانجاناث في كتابه الجديد يشاركنا التفكير بصوت عال "لماذا نتذكر: إطلاق العنان لقوة الذاكرة للتمسك بما يهم"، ومع أنني لم أقرأ الكتاب الذي صدر قبل أسابيع، إلا أكثر من عشرة عروض مطولة لمتنه نشرتها وسائل الإعلام زادت من الشغف إليه وقربتني أكثر إلى مضمونه الذي يجيب على أسئلة طالما وضعتها أمام نفسي على مدار عقود، عندما يأخذنا عالم الأعصاب رانجاناث في استكشاف رائع لكيفية تعاملنا مع عالم اليوم بناءً على تذكرنا للماضي. فيقول إن استدعاء الذاكرة يشبه الضغط على زر التشغيل والتسجيل معا.

يعد رانجاناث واحداً من أبرز علماء الأعصاب فهو مدير برنامج الذاكرة واللدونة وأستاذ علم النفس وعلم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا. وهو أيضا المدير المؤسس لمختبر "الذاكرة الديناميكية" وأطلق عليه هذا الاسم لأنه يعتقد أن الذاكرة "هي العملية التي تتغير بها أدمغتنا بمرور الوقت".

يمكن للذاكرة أن تثير الفرح، عند تذكر سعادة الماضي، أو الألم الذي يستحيل أحيانا تجاهله، عندما تطغى علينا الصدمة. نحب أن نفكر في أنفسنا كمخلوقات نعيش كل لحظة من جديد.

ومع ذلك، لا يمكننا الاستجابة لظروفنا إلا بناءً على ذكرياتنا عن أحداث مماثلة في الماضي. الذاكرة هي كتاب اللعب الذي يوفر قواعد للعيش بها. وكما يكشف تشاران رانجاناث، يجب أن تكون الذاكرة مرنة وقابلة للتكيف لتخدمنا بشكل أفضل، وهو ما يجعلها معقدة للغاية، ويصعب فهمها.

ويقول إن الذاكرة ليست ثابتة أبداً فدقة الذاكرة، والطرق التي يمكن ويجب أن تتأثر بها، تمكننا من البقاء كجنس بشري. ولكن هذا يمكن أن يسبب أيضا مشاكل عندما يتعلق الأمر بإدارة محاكمنا القانونية أو كتابة تاريخنا الشخصي.

ما يهم القارئ المهموم بذاكرته وذكرياته، في هذا الكتاب هو الفصل الذي يبحث في مقدار الذاكرة التي تنبع من الخيال، فالذكريات ليست كاذبة ولا صحيحة إنما يتم بناؤها في الوقت الحالي مع التحيزات والدوافع والإشارات التي حولنا، كما تعكس أجزاء مما حدث بالفعل في الماضي. ولكن هذا لا يعني، بالنسبة إلى مؤلف كتاب "لماذا نتذكر: إطلاق العنان لقوة الذاكرة للتمسك بما يهم" أن تلك الذاكرة غير موثوقة على الإطلاق، فالذاكرة ديناميكية وهي قوة تشكيل نشطة.

يصف رانجاناث استدعاء الذاكرة بمسجل الكاسيت المنقرض عندما يتم الضغط على زر التشغيل والتسجيل معاً، وهذه هي الطريقة التي يمكن أن تتأثر بها الذكريات من خلال طريقة استدعائها.

يمكن وفق تلك المفاهيم العلمية الدقيقة أن نتعامل أيضا مع مخاطر الذاكرة الجمعية الكاذبة لصناعة الرأي العام، فالمدونة السردية الكاذبة لأحداث ما جرى يمكن أن تكون أداة سامة للمجتمع عندما تتحول الأكاذيب إلى جزء حيوي من الذاكرة الحقيقة، وهذا ما يحدث اليوم في الحروب السياسية والطائفية والعرقية.

في النهاية لا يضع رانجاناث إجابة بسيطة للسؤال الذي أطلقه في بداية كتابه: لماذا نتذكر؟ الأمر الذي يدفعني إلى حث دور النشر العربية إلى تقديم ترجمة مفيدة لهذا الكتاب، فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى معرفة أنفسنا عندما نفهم طبيعة عمل ذاكرتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، كما أننا بحاجة إلى مقاومة النسيان عندما يتعلق الأمر بمصير ذاكرة أمة ومجتمعات يراد لها أن تفقد ذاكرتها بشكل متعمد وبغيض.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

العراق بلا كهرباء إيرانية: صفر ميغاواط بين التوترات والضغوط الدولية

تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وسط خلافات سياسية

إيران تؤكد جاهزيتها الكاملة: كل الخيارات على الطاولة

قرار تربوي يخص امتحانات الطلبة التركمان

العدل تعلن إطلاق خدمة فتح الأضابير إلكترونيا في بغداد والمحافظات

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: ام كلثوم تستقبلني في المطار

 علي حسين ما ان هبطت بنا الطائرة في مطار القاهرة ، حتى وجدت ثلاثي النغم العظيم " ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، يستقبلون زوار مصر المحروسة بابتسامة اطمئنان ،...
علي حسين

في متابعة ما يجري .. وفي فحص انتظاراتنا البائسة!

سهيل سامي نادر كنت قد كتبت مايأتي : "ها نحن بانتظار ما تسفر عنه اجتماعات الاطار التنسيقي لاختيار رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ومن ثم ننتظر حصول اتقاق على منصبي رئيس مجلس النواب...
سهيل سامي نادر

المالكي لرئاسة الحكومة بعد 12 عاما.. دورة كاملة للسياسة العراقية

د. اياد العنبر ‎ لطالما حاول فلاسفة السياسة، تفسير تقلبات أنظمة الحكم ‎في دورات التاريخ، واختلفوا في توصيف كيفية حدوثها. فأفلاطون كان يعتقد أن دورة أنظمة الحكم تسير بطريقة دائرية، أما مكيافيللي فكان يعتقد...
اياد العنبر

النكوص الرجعي في بنية الأحزاب العراقية

د. أمجد السوّاد لم تُنشأ الأحزاب السياسية الحديثة بوصفها تجمعات ولاء أو أطرًا قرابية، بل باعتبارها مؤسسات إنتاج فكر وسياسات تتفاعل مع المجتمع، وتحمل آليات للمساءلة والتجديد. غير أن التجربة العراقية لم تسلك هذا...
د. امجد السواد
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram