TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: سأنتصرُ له في غابة الظلم هذه

قناطر: سأنتصرُ له في غابة الظلم هذه

نشر في: 26 مارس, 2024: 11:39 م

طالب عبد العزيز

سأنتصر للاستاذ في كلية الحاسوب بجامعة البصرة، لا لأنه ظهر في مجموعة صور مع بعض المشايخ والمعممين، ولا لأنه مرشح جماعة الاطار، ولا لأنه استاذٌ، متفوق، وعالم في اختصاصه، ولا لأنَّ سيرته، بحسب ما روى البعض من معارفه لم تكن بالصورة التي آل اليها، ولا لأيِّ شيء آخر..

إنما لأنه انسان!! مخلوقٌ من عصب ومشاعر وأحاسيس وضع في الاختبار فلم يقدر على اجتيازه، وخانته آلة التدبير، ولم ينظر في كتاب المستقبل، ومن منّا لم يخضع لهذه وتلك، ولا أقصد فتنة النساء، إنما حالة الغفلة والضعف الانسانية. وأيّنا لم يغفل ولم يضعف ولم يغب عنه ما هو جوهريٌّ في حياته.

شخصياً لم اتوقف طويلاً في الصور التي عرضت حاله، ولن أقف على الاسباب، فهذه شؤون خاصة، وهي وقائع لم يمسك بأعنتها الكثير من الفرسان، من الذين يدعون الرفعة والنبل والامانة في الحياة والوظيفة اليوم، ولن تكون أكثر وقعاً مما تتعرض له البلاد على ايدي نور زهير وأحمد شايع وسعد العلاق و سعد معن وغيرهم الكثير. هل ذهبتُ الى تبرير الواقعة؟ ابداً، فمجتمع يربو على الأربعين مليون إنسان نجد فيه ما لا نجده في الروايات وافلام الاكشن حتى، لكنْ، وبعيداً عن كل النفاجات والادعاءات هل يتحمل الاستاذ وحده وزر ما قام به؟

أعتقد بانهُ كان ضحيّةَ مجتمع خربٍ، تنخره قيم حقيرة خربة، وعادات قبيحة ومشؤومة، وتتحكم به اسوأ الشرائع والقوانين، ويتزعمه الفاسدون والفاشلون، الذي لم يفلحوا في تغيير بنيته الاجتماعية والقبلية والدينية التي هيأت السبل وشرّعت لأبشع طرق العيش، وقادت الى ما نقع فيه يوميا، ولم تحفظ لأنساننا كرامته، ولم تبحث في النفس وخلجاتها، ولم تأخذ بيد العاجز الى نجاته، ولا بيد الوضيع الى الكِبر والعلو، ولم تؤمِّر على الناس أشرافهم، ولم تعط المحتاج مسألته في الحياة، وابقت على ما تداوله أجدادنا قبل مئات السنين بوصفه المثال والانموذج في كل المفاصل، وهكذا وجدنا انفسنا خارج المقاييس في التربية والتعليم والاخلاق والعيش.

بموجب القوانين، لا تخرج واقعة الاستاذ ابعد من حدود التحرش، وكان بإمكان المؤسسة التربوية حسم ذلك، أو اللجوء الى القانون والركون الى الحكم فيه، فهي حادثة يتعرض لها الانسان في العالم، وبشكل يومي. كلنا يقرأ ويطالع في الاخبار حوادث مماثلة لها في ثقافات الامم، فيصار أو لا يصار الى المحاكم، وينتهي الامر، وهذه قضية لا تشغل الرأي العام، كما شغلتنا فهي تمر مثل مئات الوقائع الجنائية في المجتمعات المتوازنة، المحكومة بالقواعد والأسس وعلى وفق المقاييس التي راعت كل صغيرة وكبيرة. ما يحدث عندنا أنَّ قواعدنا المجتمعية والقانونية لم تنظر في الطبيعة الانسانية، ولم تصدر اللوائح الخاصة بها، بل أهملتها، وانصاعت الى ما يقوم به الشذاذ والقتلة والقبحاء في نظرتهم لملكات الانسان، وقد خسرنا المئات والالاف من مواطنيننا بسبب(أخطاء انسانية)رفعتها العادات والتقاليد الى مصافي الجريمة. وما هي بجرائم.

نحن ضحية مجتمع مازال يعيش بعقلية القرون الوسطى، يقوده الشيخ ورجل الدين والحاكم الضعيف، حيث الكلُّ يدّعي الشرف، وأيُّ شرف؟ هناك ثقبان يتحكمان في قضية الشرف بأجسادنا، أمّا الخيانة والسرقة والقتل وهدر المال العام وضياع الفرص وخراب الصحة والتعليم وفساد المؤسسات وووو فلا يندرج في قائمة الشرف، وهي من أفعال الإنسان التقليدية، فالبطل يسرق ويقتل ويتحرش ويزني ايضاً. والمجتمع والقانون ضامن له ذلك كله.

حين يضعف القانون لا يلقى باللوم كله على المجرم، وحين يفسد الموظف لن يكون هو المعني الوحيد في القضية، وحين يتجول اللص الكبير محمياً بين المصارف لن يكون سارق قطعة الحلوى لصاً.. وهكذا. قبل أن نوجه أصبع الاتهام الى الاستاذ يتوجب علينا البحث في الآليات تلك مجتمعةً. قليلون هم أولئك الذين تداولوا كلمة الامام علي:" لو رأيت الفضيحة بأم عيني لسترتها بردائي، فإن مذيع الفاحشة كفاعلها" وأقل منهم من يعمل بها، فلننظر بعين قلوبنا الى الذين يعانون الآن من هول ما وقع عليهم(الأستاذ واسرته واصدقاءه والبنت وأسرتها وقومها) وكل من يتوجع قلبه في مشهد انسانيّ كهذا. علينا أن نكون أقلَّ وحشيةً في غابة الظلم هذه، واكثر تهذيباً في حدائق ارواحنا الداخلية، إذْ كلّكمْ خطّاءٌ وابن خطَّاءٍ، من أبيكم آدم الى آخر تقيٍّ فيكم اليوم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

العراق بلا كهرباء إيرانية: صفر ميغاواط بين التوترات والضغوط الدولية

تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وسط خلافات سياسية

إيران تؤكد جاهزيتها الكاملة: كل الخيارات على الطاولة

قرار تربوي يخص امتحانات الطلبة التركمان

العدل تعلن إطلاق خدمة فتح الأضابير إلكترونيا في بغداد والمحافظات

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: ام كلثوم تستقبلني في المطار

 علي حسين ما ان هبطت بنا الطائرة في مطار القاهرة ، حتى وجدت ثلاثي النغم العظيم " ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، يستقبلون زوار مصر المحروسة بابتسامة اطمئنان ،...
علي حسين

في متابعة ما يجري .. وفي فحص انتظاراتنا البائسة!

سهيل سامي نادر كنت قد كتبت مايأتي : "ها نحن بانتظار ما تسفر عنه اجتماعات الاطار التنسيقي لاختيار رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ومن ثم ننتظر حصول اتقاق على منصبي رئيس مجلس النواب...
سهيل سامي نادر

المالكي لرئاسة الحكومة بعد 12 عاما.. دورة كاملة للسياسة العراقية

د. اياد العنبر ‎ لطالما حاول فلاسفة السياسة، تفسير تقلبات أنظمة الحكم ‎في دورات التاريخ، واختلفوا في توصيف كيفية حدوثها. فأفلاطون كان يعتقد أن دورة أنظمة الحكم تسير بطريقة دائرية، أما مكيافيللي فكان يعتقد...
اياد العنبر

النكوص الرجعي في بنية الأحزاب العراقية

د. أمجد السوّاد لم تُنشأ الأحزاب السياسية الحديثة بوصفها تجمعات ولاء أو أطرًا قرابية، بل باعتبارها مؤسسات إنتاج فكر وسياسات تتفاعل مع المجتمع، وتحمل آليات للمساءلة والتجديد. غير أن التجربة العراقية لم تسلك هذا...
د. امجد السواد
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram