TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > وراء القصد.. ولا تيفو.. عن حمودي الحارثي

وراء القصد.. ولا تيفو.. عن حمودي الحارثي

نشر في: 21 أغسطس, 2024: 12:26 ص

محمد السيد محسن

عام 2008 التقيت في لندن الفنان حمودي الحارثي الذي غادرنا قبل يومين في منفاه في مدينة دنهاخ في هولندا، المثير باللقاء انه هو من تعرف علي حيث كان يتابع برنامج "اغلبية صامتة" الذي كنت اعده واقدمه من شاشة الشرقية. جلسنا في احد المقاهي تناولنا حديثاً شجياً حول تسونامي التغيير الذي عصف بالعراق، وكان يستشيرني بامكانية العودة الى بغداد حيث ذاكرته وصباه، للحصول على فرصة العودة الى الشاشة، فاجبته وقتذاك جواباً صادماً، وقلت له: سيتم الاحتفاء بك كنجم كبير لساعات، ثم يضعونك في متحف النجوم، ولا احد يمر عليك، لان الطبقة السياسية الحاكمة لديها مشاغل كثيرة ليس من ضمها الاهتمام بالوضع الفني والثقافي والادبي في البلاد.
الحارثي صُدم للوهلة الاولى، بيد انه اقتنع بعد اخذ وجذب من النقاش معززاً بدلائل لمن عادوا من جيله، وعادوا بحسرة لا مثيل لها.
وبعد سماعي خبر وفاته، بدأت استعيد بعض ذكراه واشهرها ترجمته لرسالة جاءت بها ام غانم "سهام السبتي" الى حجي راضي "سليم البصري"، ويبدو اني لم اركز على مصطلح "ولا تيفو" وكان معناه في الرسالة ولا تبقوا، والجملة كاملة كانت: ولا تبقوا قلقين علي، انا بخير. هذا المصطلح تحول الى مثل عراقي يوسم به من يعاني من فقدان كل شيء، يستخدمه العراقيون للتعبير عن شخص ليس لديه اي ابداع، او خروج البعض من صفقة ما بدون اي غنيمة، فيقولون: ولا تيفو.
ان هذه الاستعارة رغم سماعي واستخدامي لها طيلة عقود من الزمان، في الحقيقة لم اكن اعلم ان مصدرها حجي راضي، ومترجمها هو عبوسي.
اكتب هذا السرد، لاني سمعت من البعض لغة التهكم والتقزيم لابداع حمودي الحارثي الذي لبسه "عبوسي" منذ شبابه وحتى وفاته، ولكنه كان مثل شاعر الواحدات، وهي حالة اشتهر بها بعض العرب العرب الذين اشتهرت لهم قصيدة واحدة او بيت شعري واحد، وهذا البيت او القصيدة خلدته، وربما تم استخدام ما قاله اكثر من شعراء قالوا وانشدوا ولم نحفظ من قصائدهم ولا بيتاً واحداً فمضوا وهم مشاركين فقط ولكن بدون تأثير.
كثيرون دخلوا عالم الابداع الفني والثقافي والادبي والاعلامي لاحقا. لكنهم خرجوا مثلما دخلوا، وهناك من ترك بصمةً عند الاجيال، وبالعودة للقليل الذي قدموه، نجد انهم اشاعوا لغة جديدة استطاع من بعدهم ان يستخدموا ما تركوه، وخلدوا انفسهم بظهور واحد فكانوا من الخالدين.
حمودي الحارثي كان يعيش غربة الوطن رغم ان الوطن كان يرافقه اينما حل، ولم يشاكس، ولم يشتك، عاش هادئاً، وغادر بصمت مقتنعاً بألم كبير يحز بذاته، وترك لنا هذا العالم الذي يضج باصحاب الصوت العالي والمزورين والأفاقين والسراق.
غادر حمودي الحارثي وليس بذمته اي دينار من المال العام، وستبقى الاجيال تتابع ما ترك من جملة تمثيلية ربما لا تتجاوز بضع دقائق مع استاذه الذي غادر قبله بسنوات عدة سليم البصري.
وداعاً عبوسي، ستبقى في القلب، ولن ينسى العراقيون ما تركت وما ابدعت.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. دكتور وليد الحيالي

    منذ 1 سنة

    محنة الفنان الراحل حمودي الحارثي وحلمة بالعودة للمساهمة بالنهوض الفني والثقافي بالعراقي بعد السقوط هي نموذج لألف من المبدعين والعقول العراقية التي غادرت الوطن في مرحلة تاريخيّة عصيبة وحلمت بالعودة للوطن بعد السقوط حالمة في البناء والتغيير لكن لم تمنح فرصة

  2. ots

    منذ 1 سنة

    الله وياك عبوسي !!!

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

 علي حسين يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي...
علي حسين

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

 لطفية الدليمي هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا...
لطفية الدليمي

قناطر: ماذا بعد الحرب الأخيرة؟

طالب عبد العزيز أمرٌ يحزُّ في القلب ما تنوي فعله الاساطيل الامريكية بايران، الشعوب الإيرانية تستحق الحياة، والبلاد العظيمة؛ بجغرافيتها المتنوعة الجميلة؛ وتاريخها العريق، وما بيننا من مشتركات دينية، وإنسانية تقف بأعيننا، والله؛ نحن...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

سعد سلوم (2-2) في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram