المدى/متابعة
انتحار طالبتين في محافظة النجف معاً، تاركتين خلفهما رسالة مكتوبة في دفتر إحداهما، حادثة هزت الأوساط التعليمية والاجتماعية في العراق، ومختصون يلقون اللوم على النظام التعليمي في العراق.
الرسالة كشفت عن شعورهما بالظلم من قبل إدارة المدرسة والتي طالبتا فيها بتغيير القانون وانصاف الطلبة.
الناشط المدني علي النجفي وصف الحادثة قائلاً: "ما حدث في النجف ليس مجرد مأساة فردية، بل هو دليل على أن النظام التعليمي في العراق يدفع الطلبة إلى حافة الانهيار. الرسالة التي تركتها الطالبتان تحدثت عن الظلم الذي تعرضتا له من المدرسة، وعن خوفهما من العقوبات الأسرية التي تنتظرهما. شعرتا بأنهما محاصرتان، ولم تجدا خياراً سوى إنهاء حياتهما".
وأضاف النجفي "الطالب العراقي يعيش في بيئة تعليمية مليئة بالنواقص. هناك نقص في الكوادر التعليمية، قلة في المستلزمات الأساسية، وغياب شبه تام للدعم النفسي. هذه الضغوط لا يشعر بها المسؤولون أو حتى الأهالي في كثير من الأحيان، لكن الطلبة يتحملون العبء الأكبر، وغالباً ما تكون النتيجة مأساوية".
تظهر هذه الحادثة الحاجة الملحة إلى وجود دعم نفسي داخل المدارس العراقية. تقول سرور حسن، معلمة في إحدى المدارس المتوسطة ببغداد: "المدارس العراقية تعاني من افتقار كبير للدعم النفسي المخصص للطلبة. لا توجد كوادر متخصصة تتعامل مع مشكلات الطلبة النفسية أو تساعدهم على تجاوز الصعوبات التي يواجهونها سواء داخل المدرسة أو خارجها. يتم التعامل مع الطلبة كأرقام فقط، دون الالتفات إلى مشاعرهم أو معاناتهم".
وأشارت سرور إلى أن "الضغط المتزايد من المناهج الدراسية والتهديد بالعقوبات سواء من الأهل أو الإدارة يجعل الطلبة يعيشون في حالة من الخوف الدائم".
وتابعت "هذا الخوف قد يدفع الطلبة إلى الهروب من المدرسة، أو في أسوأ الحالات إلى إنهاء حياتهم. نحن بحاجة إلى نظام تعليمي يضع صحة الطالب النفسية على رأس أولوياته".
من جانبه، أكد الدكتور جعفر البريقعاوي، أخصائي الطب النفسي، أن "المشكلة ليست محصورة بالمدارس وحدها، بل تمتد إلى الأسر العراقية التي تمارس ضغطاً كبيراً على أبنائها لتحقيق النجاح الأكاديمي بأي ثمن".
وأضف، أن "الطلبة في العراق يعيشون بين مطرقة المدرسة وسندان الأهل. يطلب منهم التفوق في بيئة تعليمية تفتقر إلى أبسط مقومات النجاح، وعندما يفشلون، يعاقبون بشدة. بعض الأهالي يهددون بحرمان أبنائهم من احتياجاتهم الأساسية أو يعاملونهم بعنف لفظي وجسدي، مما يؤدي إلى تدهور حالتهم النفسية".
وأشار البريقعاوي إلى أن "المدارس تخلو من وجود مرشدين نفسيين مؤهلين يمكنهم الاستماع للطلبة والعمل كحلقة وصل بينهم وبين الإدارة والأهالي، وجود المرشد النفسي ضرورة. ليس فقط لحل المشكلات الفردية، بل لتخفيف الضغط العام عن الطلبة. إذا لم يتم توفير دعم نفسي في المدارس، سنشهد المزيد من هذه المآسي".
وفي ظل هذه الأزمات المتكررة، دعا الناشط المدني حيدر عدنان إلى إجراء إصلاح شامل للنظام التعليمي، قائلاً: "القوانين الحالية تركز على المناهج والامتحانات فقط، متجاهلة أن الطالب هو محور العملية التعليمية. يجب أن تعمل وزارة التربية على سد النقص الكبير في الكوادر التعليمية، وتوفير مرشدين نفسيين في كل مدرسة، إلى جانب تغيير السياسات التي تعتمد على الترهيب والتهديد".
أضاف "الطالب العراقي هو الضحية الأولى لنظام تعليمي يفتقر إلى الإنسانية. نحن بحاجة إلى قوانين تعزز من قيمة الطالب كإنسان، وليس مجرد متلقٍ للمعرفة. الاستثمار في صحة أبنائنا النفسية هو استثمار في مستقبل العراق".
اختتم حديثه بأن "الحوادث المتكررة لانتحار الطلبة ليست مجرد مآسٍ فردية، بل هي صرخات استغاثة تطالب بإصلاح شامل للنظام التعليمي. يجب أن تكون الأولوية لتوفير بيئة تعليمية آمنة وداعمة للطلبة، مع التركيز على الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من العملية التعليمية".
وفي السياق، قال المتحدث باسم وزارة التربية كريم السيد "تم استحداث قسم جديد للصحة النفسية هذا العام، يهدف إلى تقديم الدعم اللازم للطلبة في مواجهة الضغوط النفسية والاجتماعية. كما تعمل الوزارة على تنظيم ورش عمل تستهدف المعلمين والمرشدين التربويين لتوسيع أدوارهم النفسية داخل المدارس".
واختتم حديثه "نحن ندرك أهمية التعاون مع مجالس الأباء لتوفير بيئة تعليمية متكاملة تركز على الجانب النفسي للطلبة، إلى جانب الجانب التعليمي. هدفنا هو تقليل المخاطر النفسية التي تواجه الطلبة وضمان تقديم الدعم اللازم لهم".
المصدر: وكالات