TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > صمت!

صمت!

نشر في: 27 فبراير, 2025: 12:34 ص

زهير الجزائري

جاء الموتى إلي المدينة فرادى. لائمين أهلهم أول الأمر:
-لم لم تفعلوا شيئاً لإنقاذي؟!
وللوالدً حدّ البكاء:
-لو أخفيتني في بساتين أقاربي؟
-أو دفعت ثمن حياتي؟
-لو …
تسللوا من المقبرة ليلاً و اندسّوا في زحمة السوق الكبير في طريقهم إلى الميدان. للأحياء مشاغلهم وحاجاتهم وهم يخزنون البضائع خوفا من حرب وشيكة، لذلك تحاشوهم بعد أن ملّو كثرة اللائمين. حين لم يسمع الموتى جواباً تجاهلوا أولادهم و زوجاتهم المتوسلات واستبدلوا اللوم بالغضب. يصرخون إذا قوطعوا:
-كيف تدعي أنكً لا تعلم؟ كنت إلى جانبي في الخندق!
قبيل نهاية الشتاء تكاثر الأفراد إلى مجموعات صغيرة، من عشيرة، محلة أو وحدة عسكرية. يترأسهم ضابط يفوقهم غضباً وهو يصرخ بهم:
-إستاااااعد!
فيصطفون قاطعين مدخل السوق. ثم يصرخ ثانية:
-تنكب سلااااح!
فيحني الناس رؤوسهم رغم علمهم بانه ليست هناك بنادق. مجرّد هواء محمّل بالتراب. تكرر الأمر حتى صار يوميّا فذهب الوجهاء للشكوى:
-… نعرف أن الأمر ليس جدّياً، لكنهم يفزعون الأطفال.
كان جواب المحافظ واضحا وقصيراً:
-مامن حل غير الدعاء، لأنهم موتى!
صار الأمر جديّا حين جاء قتلى الحرب الأخيرة الذين حصدتهم الطائرات المغيرة وهم يتراجعون بفوضى. أصغر عمراً، أكثر عنفاً ما تزال جراحهم تنزّ دما على أكفانهم. تقدموا نحو المدينة في وضح النهار. لم يكن الأمر كابوساً كما تبيّن لاحقاً، كانوا واضحين بحيث عرفنا سحناتهم قبل أن يجف جلدهم، عرفنا أسمائهم ونحن نناديهم دون أن يجيبوا. خلفهم سماء مغبرة تدور فيها الحداءات لولبياً. جائعون عطاشى يتطاير منهم تراب القبور الأبيض، يسعلون طويلاً في الزوايا ليخرجوا التراب من أحشائهم. تكاثروا، تكاثروا، تكاثروا وهم يتدفقون من ثغرات سور المدينة، بعضهم تسلق السور بخفّة الصبيان، و خرج البعض من شقوق الحيطان، ومن فوّهات الآبار، أو قفزوا من سطوح بيوتهم. لم يترددوا كثيراً، ولم يتيهوا في الأزقة المتشابكة، ولا الشوارع التي شقّت حديثاً وغيرت خارطة المدينة. خطواتهم سريعة وثابته وهم يتجهون بلا تردد نحو هدف ثابت. لم يروا فوّهات البنادق المطلّة عليهم من مزاغل ثكنة الحكومة. حتى لو رأوها، لن يأبهوا لأنهم أصلا موتى.
جئت إلى البلد متأخراً أبحث بينهم عن شقيقي (حسوني). تتبعت الموتى أفرادا وجماعات. أتفرّس في وجوههم وأحدق في عيونهم المطفأة. بلهفتي وحدسي أجلوا التراب والشحوب عنهم … أسأل بصوت عال وبكلمات واضحة:
-في أية حرب؟
لا يجيبون،لأن التواريخ توقفت عندهم، ولأن الحروب تكاثرت، أو لأن الأمر ماعاد يعنيهم.
وقفت على دكة عالية في (شارع الطوسي) مائلاً إلى الأمام أمدّ صورته إليهم:
-هل رأيتموه؟
لا يأبهون. أخطأت كثيرا وأنا أناديه دون جدوى. أغلبهم كانوا مثله في العشرين من عمرهم حين قتلوا في الحروب. لم يتلكأوا هذه المرة ولم يخطئوا، فقد عرفوا طريقم ومقصدهم، فتربّعوا على الأرض مطوّقين ثكنة الحكومة. يريدون حياتهم التي قطعت. حلقة داخل حلقة تربعوا على الأرض شابكين ايديهم حول سيقانهم. بعضهم يمدّ طاسات من الصفيح كما يفعل الشحاذين، لكن فيها دمهم.
أتيت إليهم بعد رحلة طويلة وبعد سنوات انقطاع. لم أكن متفرجاً و حسب، إنما وفاء لأخي الذي قتل معهم. بحثت عنه طويلاً وأنا أعبر حلقةً بعد أخرى. أتصفح الوجوه.. وجوه من الماضي لا أذكر مكانها أو حكايتها، وجوه في الحاضر المزدحم والمتنقل، وجوه أتخيلها حتى دون أن أراها، وجوه ضاعت في زحمة الوجوه… مامن رفوف في ذاكرتي تتسع لكل هذه الوجوه. متاخراً أتذكر صاحب الوجه بعد يقاطعني وجه أعرفه، يلتفت، ألتفت… ثم أواصل السير….في النهاية عرفت أخي حسون من نحافته، شعره السبط وقد غطى التراب سواده، وأنفه المكسور. جلست إلى جانبه دون أن نتبادل التحية:
-جئت متاخراً؟
اعتقدت أني سمعته وقد قالها متحاشياً النظر بوجهي. لم انقطع عنه طوال حياتي في المنفى. لم أستدعه، إنما يأتيني مرتين على الأقل كل شهر. يقف أمامي مثل جندي مطيع وخيط من الدم ينزف من أنفه. كان دائما في ذاكرتي… "الذاكرة خيط دخان. أردتك أن تاتي لحماً ودماً لتنقذني".. قالها دون أن يقولها، لكن الصمت بيننا مشحون بالمعاني.
البقية حدّقوا بي مستنكرين و لائمين دونما كلمات، لأنني مازلت حيّا. تكهنت بذلك مسبقاً. مع ذلك أشعلت شمعتي وجلست معهم. لو لم أفعل للاحقني اللوم طوال حياتي.
بمكبر الصوت ناداهم سادن الحضرة السيد عباس الكليدار.
-ما تفعلونه مخالف لشريعة الله فأنتم تعاكسون أقداركم…
أجابوه بقرع الطاسات على الأرض أو بدمدمة تحولت إلى دوي.دمدم اخي ساخطاً لا يريد العودة إلى الحياة:
-ستعودً لنفس الدورة. قابعاً في البيت وقد تحوّل إلى قبر أكثر إيلاماً. خائف من الخروج. سيقبضون عليك حالما يرون كائناً يمشي، ليرسلوك ذليلاً لذات الخندق و ستقتلك نفس الزعنفة الحديدية الحارة التي تصفر في الهواء باحثة عن لحمك لتنغرز فيه. ستتألم كثيرا وتصرخ بلا جدوى لأن كل من حولك مشغول بحماية جسده… خلني هادئاً في نفس قبري! لا أحد يزاحمني عليه أو يطالبني باجر المبيت فيه.
إمام الجامع الكبير وَعَدَهم:
-كل سرادقات الجنّة محجوزة لكم…
صلى أمامهم دون أن يبسملوا أو يحوقلوا. و لم يركعوا خلفه حين ركع.
حذّرهم آمر الثكنة بصوته الأجشّ:
-لست ملوماً إذا أطلق جنودي النار.
لم يأبهوا لأنهم أصلاً قتلى.
جاء القائد بنفسه ببدلةً الميدان. مصممةً على مقياس قامته دونما ثنيات. وقف باستقامةً وثبات تمثال. مسدس براونينغ على يمين عجيزته وعلى صدرة أربعة رفوف من نياشين لا يعرف أحد من أي حرب حصل عليها. بقي يقلّب وجهه بين الحشد منتظراً الكلمة ليقتلها، لكن الصمت حاصره بالمعاني الخفية. رجال حمايته أقصر منه بإصبعين، متوترون يدورون ويتبادلون مواقعهم بلا توقف. حائراً كان القائد بين التوسل والتهديد، في صوته بحّة وارتجاف:
-نحن الأحياء مدينون لكم، فقد ضحيتم من أجل الوطن. وختم بمقولته " الشهداء. أكرم منّا جميعاً".
حرّاسه وزّعوا على الصف الأمامي أكفاناً جديدة تحمل رتبهم العسكرية. لم يستمروا. قاطعهم رنين الطاسات ودوي الأصوات.
- لا تتعب نفسك سيدي القائد، سيتعبون ويتفرّقون كلما طال الوقت…
قال المحافظ ناسٍ أن الوقت لا يتعب الموتى مهما طال. زمنهم مختلف عن زماننا. يحسبون العقود دقائق، لذلك لا يشيخون ولا يعرفون أننا، نحن الأحياء، شخنا.
خلال أيام، وانا معهم، استبدلت شمعتي خمس مرات، ثم بقيت معهم بلا شمعة. لا ضرورة لأن أميّز نفسي بينهم. نسيت جوعي وعطشي، نسيت صلابة الأرض التي أجلس عليها،ً نسيت جسدي. ألتفتْ فأرى وجه أخي الشاحب وقد شفّ جلده عن عظام دقيقة، نسيت القصص التي أزمعت روايتها له. الصمت بيننا كان بليغاً ونحن نتبادل ما أردنا قوله. فيه تبادلنا ذاكً الحنين الذي يروى اللحظات المميزة التي جمعتنا معا..أنا أول من تلمس بلوغ الطفل فيه حين تحسست بأصابعي انفلاق غضروف انفه، لمساته الحذرة وهو يدلكني في الحمام حين انكسرت يدي وأنا اسقط من الدرّاجة. بكيت، وأيضا بصمت، حين صدمه الباب وقد أغلقته بوجهه. وقف أمامي صامتا بلوم غاضب وخيط الدم ينزف من أنفه. لم يلمني، اكتفى بالصمت. بادلته الصمت. لم أسأله عن القذيفة التي طارت من الجبهة الأخرىً، تصفر وهي تشق الهواء بزعانفها. عبرت الأرض الحرام، الكمائن الامامية، برج المراقبة، الخنادق المتتالية، عبرت الجميع لتصيبه هو بالذات. "ألم تسمع صافرة الإنذار؟!". لم أقلها. تمسكت بالصمت وأنا انظر في وجهه. تبادلنا الصمت ونحن نطوف في فضائه. خلال يوم أو يومين، لا أتذكر، نسيت أخي نفسه، هو أيضا نسي وجودي إلى جانبه… صرت واحداً في ترس من الموتى.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: جوبز ولعبة التصريحات

العراق والشيزوفرينيا السياسية تجاه سوريا

معارك إيلون ماسك .. الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) نموذجاً

العمود الثامن: مستشار كوميدي!!

العمود الثامن: محبة الاوطان

العمود الثامن: تزوير ترامب !!

 علي حسين أفضل وأغنى رواية عن خراب الأمم، تركها لنا مواطن نمساوي اسمه ستيفان تسفايج، ففي لحظة فارقة من تاريخ البشرية يكتب هذا الرجل النحيل مذكراته عن عالم مضى. ما هو الشعور الذي...
علي حسين

كلاكيت: المخرجون عندما يقعون في غرام الأدب

 علاء المفرجي فيلم معد على سيناريو لوسيندا كاستون الذي أقتبسته عن رواية الكاتب الأميركي ديفيد إيبرشوف التي صدرت عام 2000. الحب عندما يتخطى قوانينه، عندما ينذر المحب في سبيل الحب بعضاً من كبريائه،...
علاء المفرجي

صمت!

زهير الجزائري جاء الموتى إلي المدينة فرادى. لائمين أهلهم أول الأمر: -لم لم تفعلوا شيئاً لإنقاذي؟! وللوالدً حدّ البكاء: -لو أخفيتني في بساتين أقاربي؟ -أو دفعت ثمن حياتي؟ -لو … تسللوا من المقبرة ليلاً...
زهير الجزائري

إخوان الصَّفا.. قبل ابن النفيس وهارفي

رشيد الخيون لمَن لم يسمع بإخوان الصَّفا وخلان الوفا، فإنّهم جماعة شغفتهم الفلسفة، ظهروا في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، بالبصرة وبغداد، كتبوا إحدى وخمسين رسالة في مختلف العلوم، عُرفت بـ"رسائل إخوان الصّفا"، حوت...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram