TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > دراما التَّاريخ وكتابته أدباً.. المحاذير

دراما التَّاريخ وكتابته أدباً.. المحاذير

نشر في: 6 مارس, 2025: 12:02 ص

رشيد الخيون

يبقى تمثيل وقائع مِن التَّاريخ، ذات الشّجار الدِّينيّ والمذَّهبيّ، خطراً ليس في الحُسبان، فالمتلقي يتعامل مع المَشاهد واقعاً مجسداً أمامه فيلماً، يُطبع في ذهنه أنَّ المعروض ليس تاريخاً ممثلاً، ولى ومضى، إنَّما حاضرٌ حيَّ يعيشه بكلِّ جوارحه، يترصد عدوه مجسداً في الفيلم.
يجري التّراشق بتفاسير وتآويل للمعروض، فالمُشاهدُ لا يتعامل مع الشَّخصيات بفائدة التَّاريخ، إنما بعين ما رسمتها مخيلته، ملائكيَّة أو شيطنة، فلكلٍّ تدويناته وتهويلاته، مدحاً وقدحاً.
كيف يُرجى مِن مؤلف السيناريو الحياد والموضوعيَّة، والتَّاريخ الذي غرف منه معلوماته متعدد الرّوايات، وكاتب النّص والمخرج ضالتهما الإثارة، لا يهمهما ما تسفر عنه، سلباً أم إيجاباً؟ فالكاتب لا يملك ثبت أمثال محمد بن جرير الطّبري (ت: 310هج)، الذي لم يتعبه تقصي الواقعة مِن مختلف الموارد، ولا يهمه ما عرف بـ "الجرح والتَّعديل". مع علمنا، أنَّ ما نقرؤه في كُتب الملل والنّحل، وفي حِقب مِن التّاريخ العام، ليس المعلومة التي يُطمأن إليها، فكلّ مؤرخٍ جعل شخوص فرقته ملائكةً وأعلى، بينما جعل الآخرين شياطين وأدنى، ومَن حاول الحياد جُلد بسِياط التَّسقيط، مِن قِبل الطَّرفين.
كيف يكون الأَمر، والدّراما الدّينية أو التّاريخيَّة، شأنها شأن غيرها، تقدم محلاةً محشاةً بزيادات ونواقص للإثارة والترويج، فأصحابها لا يكترثون بنتائج التَّأثير كفائدة اجتماعيَّة، لأنَّ النّجاح عندهم يحدده عدد المتفرجين، وأيّ عمل يثير الجمهور، وإنْ كان برنامج "زعيق"، يُعد ناجحاً بحصاد ملايين المشاهدات، بينما برامج ثقافيّة جادة، لها جمهورها الهادئ، عُطلت لأنْها لا تُنافس في أجواء الجهل.
أما عن كتابة الرّواية نصاً أدبيَّاً، فيغلب على الظَّن أن الذي أدخلها جرجي زيدان (ت: 1914) مِن كُتاب الغرب، وزيدان طبيب، ودارس للعلوم الطَّبيعية، ليته ترك التّاريخ واعتنى بطبه، لأنَّ ما صنفه تحت عنوان "روايات تاريخ الإسلام"، نشد فيه التَّشويق لقراءة كتبه، وليس صحيحاً قصد تشجع قراءة التّاريخ، فقد أدخل الخيال على الرّوايات، وفتح الباب أمَّام آخرين، دربوا على دربه وأسلوبه، وعاشوا على جهود المؤرخين، الأوائل والمعاصرين، فمن أجل الإثارة والتّشويق هُتكت شخصيات، ورفعت أُخرى، وأخذت هذه الكتب تُمثل دراما وكوميديات.
ذكر لي أحدهم منبهراً بما قرأه في نص أدبيّ تاريخيّ، أنَّ صفاً دراسيّاً جمع بين ثلاثة كبار صاروا، واتفقوا على التعاضد في المستقبل: الوزير نظام المُلك (اغتيل: 485 هج)، وقائد الحركة النّزاريّة حسن الصَّباح (ت: 519ه)، والشَّاعر عُمر الخيَّام (ت: 515 هج)، وشاع ذلك على أنّها حقيقة، وجد من نقل ذلك إثارة فجعلها في روايته، وهي كذْبة سبق أنْ كشفها طه أحمد شرف، في "دولة النّزاريَّة أجداد أغاخان" (القاهرة 1950)، وهذا مجرد مثال. إذا دخلت أكاذيب في تدوين التَّاريخ، لأسبابٍ وأغراضٍ شتى، فكُتاب السِّيناريوهات للدراما التَّاريخية، وكُتاب قصص التاريخ بأسلوب الرّوايات الأدبيَّة، زادوا في المشهد، ودورهم هنا ليس قصد التَّنابز المذهبيّ أو الدّينيّ، إنما طلب الإثارة والتّشويق، بقصد جذب المشاهدين والقراء، لهذا لا تجد مؤرخاً، يحترم عِلمه، يقرأ هذه القصص، ويشاهد تلك الأعمال، ويتخذها في مصادره، حتَّى مِن باب نقضها.
لا يجوز معاملة تدوين التّاريخ بالتمثيل وكتابة الأدب، فهو بشرقنا غير مأمون النَّتائج، لا تظنونه نزهة مشوقة لقراءة التّاريخ، فالعِلة بالملقن والمتلقي، أعمال تخوض في مواقف ومعارك، مَن يعتبرها نصراً لا ظُلم فيه، ولا تستطيع الدّراما أو الأدب تقديمها بأقل مِن هذا، بينما الذي وقع عليه النَّصر يراه قهراً، وهذه حقيقة المعارك كافة، فيها المنتصر والمهزوم. أقول: لا يُحجب التّاريخ في الدّراما أو الأدب، إلا ما يصعب على العوام تحمله مهما جُمل، وإلا هناك أضابير مِن الوقائع، التي يجتمع عليها النّاس، مِن الآداب والعلوم والفلسفات، تمثيل الوقائع الحياديَّة لا الملتهبة، حرصاً على الإثارة النَّافعة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram