أحمد حسن
في مقال نشرته صحيفة اعتماد الإيرانية بتاريخ 18 مارس 2025، ناقش الكاتب أحمد مازني مسألة الانتخابات في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، مشيرًا إلى أن أحد الأهداف التي قامت عليها الثورة الإسلامية كان ضمان انتخابات حرة تعكس إرادة الشعب، بعيدًا عن تدخل السلطة أو القوى الخارجية. غير أن الواقع، كما يوضح مازني، أثبت أن الانتخابات في العهد البهلوي لم تكن سوى إجراءً شكليًا، حيث كانت النتائج تُحدد سلفًا، وتُملأ صناديق الاقتراع بأوراق تصويت مفروضة، في مشهد لا يترك للناخبين أي دور فعلي في تقرير مصيرهم السياسي.
هذه التجربة لم تكن حكرًا على إيران، إذ شهد العراق مسارًا مشابهًا في ظل حكم البعث بقيادة صدام حسين، حيث لم تكن الانتخابات سوى وسيلة لإضفاء الشرعية على نظام مغلق، لا يسمح بأي تغيير حقيقي. وعندما سقط النظام عام 2003 وأُقرَّ دستور جديد عام 2005، ساد اعتقاد بأن العراق دخل عهدًا ديمقراطيًا، حيث يُفترض أن يكون البرلمان ممثلًا لإرادة الشعب، وهو من يختار الحكومة ورئيس الجمهورية وفق تطلعات العراقيين. لكن ما جرى فعليًا كشف عن استمرار أساليب التحكم بالعملية السياسية، وإن تغيرت أدواتها.
فالانتخابات التي رُوِّج لها على أنها بوابة لعراق جديد لم تؤدِّ إلى تغيير جذري في بنية السلطة، بل أصبحت أداة لإعادة إنتاجها بأساليب أكثر تعقيدًا، تخضع فيها التحالفات لمعادلات حزبية وإقليمية ودولية، لا لمشيئة الناخبين. وكما كان الشاه ينسق مع السفارات الأجنبية في تحديد قوائم المرشحين، أصبحت النخب السياسية العراقية الجديدة تُدير العملية الانتخابية وفق تفاهمات خارجية، ما جعلها مجرد إجراء شكلي لا يفضي إلى تغيير حقيقي.
ويشير مازني في مقاله إلى أن الانتخابات في العهد البهلوي كانت تُدار من خلال قوائم مُعدة مسبقًا، حيث يُختار النواب بناءً على ولائهم للسلطة، وتُزوَّر النتائج لضمان استمرار النظام القائم. وإذا أسقطنا هذا النموذج على العراق بعد 2003، سنجد أن الانتخابات هناك لم تكن بعيدة عن ذلك الواقع، إذ ظل تشكيل الحكومات العراقية خاضعًا لاعتبارات حزبية وطائفية معقدة، في ظل قوانين انتخابية مصممة لضمان بقاء الأحزاب المتنفذة في الحكم، وإقصاء أي محاولات حقيقية للتغيير.
ورغم أن الكاتب لم يتناول بشكل مباشر طبيعة الديمقراطية الإيرانية بعد الثورة، فإنه أشار إلى أن التجربة الانتخابية لم تخرج عن إطار الهيمنة السياسية، سواء عبر الإقصاء المباشر للمعارضين أو من خلال التحكم غير المباشر في النتائج. وهذه الإشكالية ذاتها تنطبق على العراق، حيث لم تُحدث الانتخابات المتكررة منذ 2005 تحولًا جوهريًا في هيكل السلطة، بل أصبحت مجرد عملية دورية تعيد تدوير القوى الحاكمة نفسها بآليات مختلفة.
حين قيل للعراقيين عام 2005 إن اختيار الحكومة ورئيس الجمهورية سيكون بيد البرلمان، والبرلمان بيد الشعب، بدت الفكرة واعدة. لكن سرعان ما اصطدمت تلك الوعود بواقع سياسي معقد، فرض على الناخب خيارات محدودة لا تعبر عن تطلعاته الحقيقية. وكما كان الشاه يقرر مسبقًا هوية النواب الفائزين، أوجد النظام السياسي العراقي بعد 2003 منظومة تُبقي السلطة ضمن دائرة مغلقة من التفاهمات السياسية، تُحسم فيها المناصب خلف الكواليس، لا عبر إرادة الناخبين.
وإذا كانت الانتخابات في عهد الشاه تُدار بتنسيق مع الدول العظمى، فإن نظيرتها العراقية بعد 2003 خضعت أيضًا لمعادلات إقليمية ودولية، كان لإيران فيها دورٌ بارزٌ، ما جعل الديمقراطية العراقية تبدو كإطار شكلي لإضفاء الشرعية على السلطة، لا كوسيلة لتحقيق إرادة الشعب.
إن إسقاط نظام صدام حسين وإقرار دستور جديد لم يكونا كافيين لضمان ديمقراطية فعلية، تمامًا كما أن الإطاحة بالشاه لم تضمن لإيران انتخابات حرة. فكلا البلدين شهدا تحولات كبرى كان يُفترض أن تفتح الباب لحكم الشعب، لكن الواقع كشف أن الديمقراطية ظلت مفهومًا نظريًا يُستخدم كواجهة لنظام مغلق تتحكم به النخب السياسية ذاتها، وإن تغيرت الأسماء والشعارات.
وفي ظل استمرار التدخلات الخارجية، وتقييد الحياة السياسية بقوانين تخدم مصالح القوى الحاكمة، أصبحت الانتخابات في العراق بعيدة كل البعد عن كونها وسيلة للتغيير الحقيقي. وبدلًا من أن تعكس تطلعات الناخبين، باتت أداة لإعادة صياغة السلطة بالآليات نفسها التي ترسخ نفوذ الطبقة السياسية المتحكمة. وهكذا، تحولت العملية الانتخابية إلى دائرة مفرغة تُعيد إنتاج النظام ذاته، دون إحداث أي تغيير جوهري في طبيعة الحكم أو في موازين القوى الفاعلة.
بلغ الاستياء الشعبي في العراق مستويات غير مسبوقة، إذ بات المواطنون يدركون أن مشاركتهم في الانتخابات لا تعني شيئًا سوى منح الشرعية لنظام يكرّس سلطة القوى المتنفذة، المتهمة بملفات فساد وإدارة الدولة بمنطق الصفقات والمحاصصة. وبهذا، لم يعد مجلس النواب سوى واجهة شكلية، تُخفي حقيقة أن القرارات الفعلية تُتخذ في الكواليس، لا في قاعات البرلمان، تمامًا كما كان الحال في ظل حكم البعث.
أما الأخطر من ذلك، فهو أن القرارات المصيرية لم تعد تُصنع داخل مؤسسات الدولة، بل تُحسم في الاجتماعات المغلقة، سواء في قصور الجادرية أو عبر تفاهمات القوى الإقليمية والدولية. لقد تحوّلت السيادة الوطنية إلى سلعة تخضع لحسابات إقليمية، وفرضت على العراق سياسات لا تعكس إرادة شعبه، بل تُدار وفق مصالح اللاعبين الخارجيين.
إن إقصاء الشعب العراقي من عملية صنع القرار، ليس مجرد خلل سياسي، بل هو قنبلة موقوتة. فهذا الشعب، عبر تاريخه الطويل، لم يكن يومًا سهل الانقياد، ولم تستطع أعتى القوى أن تفرض عليه سلطتها المطلقة. وكما قال المؤرخ جواد علي في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: "إن العراق لم يكن في يوم من الأيام أرضًا هامشية، بل كان دائمًا مركزًا للحضارات، وعبر تاريخه، لم يكن شعبه يخضع بسهولة للسلطة المطلقة، بل كان يتمرد على من يحاول فرض سيطرته عليه بالقوة".
وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لمواصلة تهميش العراقيين ستؤدي حتمًا إلى انفجارات اجتماعية وسياسية كبرى، لأن طبيعة هذا الشعب صعب الاستمرار في الاستبداد عليه، كما رفضه في كل مراحل تاريخه. وبالتالي لم يعد أمام النخب الحاكمة في العراق سوى خيارين: إما إعادة بناء نظام سياسي يضمن للعراقيين حقهم في اتخاذ قراراتهم بعيدًا عن الوصاية الخارجية والمحاصصة الحزبية، أو الاستمرار في دوامة الأزمات حتى تصل إلى نقطة اللاعودة وهذا يعني الخراب الكبير.