TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناديل: رضيتُ من الغنيمة بالمستشارية.. !

قناديل: رضيتُ من الغنيمة بالمستشارية.. !

نشر في: 23 مارس, 2025: 12:21 ص

 لطفية الدليمي

المستقبل هاجسٌ لكلّ من يتفكّرُ في مآل العالم والبشر، ولأجل هذا صار مبحث المستقبليات Futurology مبحثاً ستراتيجياً تُخصّصُ له أعلى الكفاءات والموارد. أسبابٌ عديدة تجعل التفكّر في المستقبل هاجساً لا يمكن نكرانه وركنه في النسيان، وأهمّ هذه الأسباب الدور المتعاظم للتقنيات الجديدة في الذكاء الإصطناعي في إعادة تشكيل الوجود البشري.
أحد أهمّ القطاعات التي تنالُ الأسبقية في التفكّر على المستويين الفردي والجمعي هو التعليم، والتعليم العالي على وجه التحديد. تقنيات الذكاء الإصطناعي التي تمنحك موارد لانهائية من البيانات والمعلومات والمعرفة -مع سرعة معالجة معلوماتية غير مسبوقة- ستغيّرُ بالتأكيد نمط التعليم الجامعي الذي نعرف، وستتغيّرُ بالتبعية الوظيفة التقليدية للجامعات. هذا أمرٌ محسوم. ما نختلف فيه هو سرعة التغيّر وطبيعته.
قبل بضعة أيام كنتُ أراجعُ معلومات محدّدة عن كتاب يتناول التعليم العالي في عصر الذكاء الإصطناعي العام، وكان من المعتاد كتقليد لديّ أن أبحث في مقالات منشورة عن أدبيات الموضوع. قادني البحثُ إلى مقالة قصيرة عنوانها (هل قُدّرَ للجامعات أن تختفي؟ Are Universities Doomed to Disappear?) نشرها جاك أتالي Jacques Attali في موقعه الألكتروني بتأريخ 3 أكتوبر (تشرين أوّل) 2024. يكفي أن يكون إسمُ أتالي موضوعاً على رأس مادة منشورة أو كتاب لكي ينالا أسبقية القراءة الفورية، وأظنّ كثيرين يشاركونني هذا الرأي. أحارُ حقاً كيف أعرّفُ أتالي المولود عام 1943 في الجزائر. هو أستاذ الإقتصاد والنظرية السياسية، ومؤلفُ 86 كتاباً (حتى عام 2023) نالت أعلى المقروئيات. تخيلوا ثلاثين من كتبه إختصّها للكتابة عن المستقبل!!. هل بعد هذا من يسأل لماذا يستحقُّ أتالي أسبقية القراءة في كلّ شؤون المستقبل البشري. شغل أتالي مناصب كبيرة، وكتب لمجلات مرموقة، وعمل طويلاً رئيساً لتحرير صحيفة الأكسبريس، كما رأس منتديات عديدة. فيما يخصُّ التعليم العالي أشرف أتالي على إعادة النظر بآليات منح الشهادات العالية في النظام الجامعي الفرنسي. آخرُ ما يذكره المرء في سجلّ أتالي الحافل هو عمله مستشاراً للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران لعشر سنوات (1981-1991). ربما عمل معه إيفاءً لمواثيق صداقة قديمة بينهما، أو ربما أراد العمل قريباً من موقع السلطة الرئاسية تسهيلاً لتنفيذ رؤاه. الرؤية تتطلبُ وسائل تنفيذية وإلا فإنّها تظلّ أحلاماً معلّقة تطوف في عقول واضعيها. ربما سيكتب أتالي ذاته عن أسباب عمله مستشاراً رئاسياً عندما ينشر سيرته الذاتيه. ما أنا موقنة به من غير أن يخالطه شكّ أنّ أتالي خدم موقعه الإستشاري ولم يخدمه الموقع. في الأقلّ كان نداً للرئيس ولم يكن طفيلياً يعتاشُ على ما يدرّه ضرعُ المنصب من مال أو ظهور إعلامي. لم يكن أتالي شبيه البكتريا الطفيلية التي تعيشُ على الرمم. جاء موقع الإستشارية وهو ممتلئ علماً وخبرة، وظلّ ذلك الكاتب النهم للمعرفة والنشر في شتى تلاوين المعرفة. تخيّلوا المستشار الرئاسي الفرنسي وهو موسيقي يقود أوركسترات عالمية ببراعة إحترافية فائقة. ظلّ أتالي محباً للفنون بكلّ تنويعاتها. كتبٌ قليلة له ترجمت إلى العربية وهذا ما أحسبه خطأ جسيماً. أصدّقُ أنّ أتالي المستشار كان أكبر شأناً من الرئيس الذي إستشاره.
مضيتُ أقرأ المقالة القصيرة التي كتبها أتالي. لا يكتب أتالي إنشائيات ومطوّلات محشوة بالمفردات الكبيرة. كلام بسيط بمفردات واضحة وحاسمة تمرّرُ للقارئ ما يسعى لقوله من غير إلتفاف. ملخّصُ مقالة أتالي أنّ الشركات التقنية الكبرى هي الأقدر على صياغة المناهج التعليمية التي تحتاجها وترفع من كفاءتها التنافسية، ولم يعُدْ مقبولاً أو مجدياً في حسابات الكلفة/الناتج أن يمضي التعليم العالي بوتيرته التقليدية. الذكاء الإصطناعي سيقلب المشهد الجامعي تماماً، وعلينا التفكير بإجتناء أفضل الفوائد منه بأقلّ التكاليف الممكنة. تحدّث أتالي بلغة خبير دقيق يعرف تفاصيل الموضوع الذي يتحدّث عنه.
المستشارية عندنا وضعها شكل آخر تماماً. المتداول في عهود سابقة أنّ المغضوب عليهم يحالون إلى المستشارية في رئاسة الجمهورية. يظلون هكذا معطّلين من غير عمل (يعدّدون أياماً ويقبضون الرواتب). لا شأن لهم بشأن عام. بعد تغيير عام 2003 صار أمر المستشارية شيئاً آخر. أولاً تعدّدت المستشاريات، وصار لكلّ رئاسة من الرئاسات الثلاث والوزارات جيش من المستشارين. صار الأمر أقرب إلى وجاهة وانتفاع للحاشية المقرّبة، مثلما صارت المستشارية ملاذاً آمناً يلوذ به من يريدون المنفعة المالية من غير أن يظهروا على السطح.
صارت المستشارية سلاحاً ترغيبياً بيد الرؤساء مثلما صارت ملاذاً يحتمي بظلّه المستشارون الذين لا يستشيرهم أحد. إنها وجه آخر من لعبة المال. لماذا تتعب نفسك؟ أهناك من لا ترتاحُ إلى أفعاله وكلماته؟ إجعله مستشاراً وسينتهي الأمر. لعبة سهلة لا خاسر فيها سوى العراق والعراقيين.
المستشارون العراقيون جيش كبير وأفواه كثيرة تلتهم مالاً كثيراً من غير عمل حقيقي، وهذا –للأسف- شأن الكثير من موظّفي الدولة. يميل معظم المستشارين للسكينة تحت ظلال الملاذات الحمائية الآمنة قانعين من الغنيمة العراقية بالمستشارية. يسبّحون ربهم بكرة وعشياً إذ أغدق عليهم بما لم يحلموا به يوماً. لا تستحق المستشارية أن تكون حلماً حقيقياً؛ لكنّها ستكون حلماً وردياً لا يريد الإفاقة منه من يحسب الأمر بمنطق الغنيمة. قلّة قليلة من المستشارين إرتأت الخروج من الملاذ الآمن والظهور في البرامج التلفازية. أظنّهم يرون المستشارية عتبة أولى نحو الإرتقاء لمناصب أكثر دسامة مالية ووجاهة حكومية.
لا أحد من جيش المستشارين العراقيين يصرّح عن نفسه ووظيفته. هل يخجل منها؟ لا أظنّ ذلك. ربما يخشى الحسد وزوال النعمة. كيف نعرف المستشار وهو لم يعرّف يوماً عن نفسه؟ من لغة خطابه. تسمع فلاناً وهو يهجو الحكومة ورئيسها بأقسى العبارات، ثمّ بعد أيام تراه يتوسّلُ لغة ناعمة في خطابه، أو في الأقلّ يبتعد عن لغة الخطاب الحاد ويركن إلى الهدوء، فضلاً عن أنّ مظهره يتحسّن بعد أن يتعمّد الظهور بالماركات الثمينة للسيارات والملابس والساعات +. يريدنا أن نراه يبدو صادقاً مع معتقده الإيماني إذ يُحدّث بنعمة ربّه.
أتخيلُ أحياناً مشهداً لفنتازيا لن تحدث في العراق؛ لكنّي أجزم بأنها تطوف في عقول المستشارين. لو سألت أحدهم: ما العمل الذي تؤديه؟ هل تجميل صورة المسؤول الفلاني عمل يستحق الإستشارة؟ كيف تقبل أن تتقاضى راتباً كبيراً عن عمل ليس فيه صفات العمل الحقيقي؟ سيبدأ المستشار بالمناورة والمداورة والتسويغ، ثمّ في لحظة ما قد ينفجر ويخبرك الحقيقة كلها: لماذا تسائلني أنا عن بضعة ملايين أتقاضاها؟ لماذا لا تسائلُ فلاناً او فلانة ممّن يتحصّلون على أضعاف مضاعفة ممّا أحصل عليه من عمولات وصفقات؟ سيحمّلنا السيد المستشار عبء نبله وترفعه عن المال إذ يرى الفساد أمام عينيه وهو يكتفي براتبه فقط. هكذا هو الفساد في العراق: حلقة فاسدة داخل حلقة أكثر فساداً،،، ، وهكذا يضيع العراق في محيط من الفساد الجارف.
همسة أهمسها في أذن المستشارين: لن نتوقّع بالطبع أن يكون أحدكم (جاك أتالي) بنسخة عراقية. تلك إستحالة مؤكّدة. لكن بدلاً من هدر الوقت في غير ما ينفع تستطيعون في الأقلّ -وأنتم ماكثون وسط ملاذاتكم المؤمّنة مالياً وخدماتياً لكم ولعوائلكم- أن تقرأوا بعض كتب أتالي المترجمة. إقرأوا كتاب (قصة موجزة عن المستقبل) لعلّكم تتعلّمون شيئاً منه. أوقن أنّكم لن تفعلوا؛ لأنّ مستقبل العراق -ولا أقول مستقبل العالم- ليس في حساباتكم.
أنتم تعيشون اللحظة وحسب. أما العراق والعراقيون فهم رهينة المقادير المجهولة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

القضاء الأعلى: معتقلو داعش تحت سلطة القضاء العراقي

التجارة: 1000 دينار فقط بدل الحصة التموينية وتوزيع الطحين كاملاً

أكثر من 8 ملايين طفل في السودان محرومون من التعليم بسبب الحرب

التخطيط: تسجيل أكثر من 4 ملايين موظف ضمن مشروع «البنك الوظيفي»

ارتفاع النفط مع تراجع مخاوف الحرب التجارية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram