TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: منظمة تحقيق الأمنيات

باليت المدى: منظمة تحقيق الأمنيات

نشر في: 7 إبريل, 2025: 12:26 ص

 ستار كاووش

تختلف أمنيات الناس بإختلاف ثقافاتهم وأماكن وجودهم والطريقة التي يعيشون بها، فمنهم من يتمنى الثراء، وآخر يبتغي الرفاهية والعيش بسلام، وهناك من يَتوق الى الحرية الشخصية التي يفتقدها، وغيرهم يتمنى السفر أو العيش في مكان آخر، وهناك من يهفو للزواج كما في قصيدة الشاعر غريغوري كورسو فى قصيدته (الزواج). وهكذا تختلف الأمنيات، وتتداخل الكبيرة منها والصغيرة حتى تكاد تكون بعدد الناس الذين يعيشون على هذه المعمورة. ووسط كل هذا، هناك أمنيات لا تخطر في بال أحد، وأخرى تبدو لأول مرة، ومن شدة غرابتها وكأنها ليست أمنيات، بل بطراً وغلواء ورفاهية تتعدى الحدود والخيال، مثل ما تُسمى في هولندا (سيارة أسعاف الأمنيات).
وسيارة الأمنيات هي منظمة خيرية هولندية تُعنى بتحقيق الأمنيات الأخيرة للناس المرضى الذين إبتعدو أو حُرِموا من بعض الأشياء والتفاصيل التي إرتبطوا بها إتباطات وثيقة وعاطفية. وهكذا إنبرت هذه المنظمة التي هيئتْ سيارات إسعاف خاصة لنقل هؤلاء وتحقيق أمنياتهم التي ربما تكون الأخيرة برؤية أشياء وتفاصيل تعني لهم الكثير، مع توفير كل التفاصيل والأجواء الملائمة للتمتع بيوم خاص وبهيج وبكل هدوء وطمأنينة وسهولة. وهكذا تنقلت إسعاف الأمنيات في أنحاء هولندا لأخذ الناس من مختلف الجهات لتحقيق رغبات خاصة.
حققتْ هذه المنظمة آلاف الأمنيات التي منحت أصحابها الشعور بالطمأنينة والهدوء والألفة. ومنها أيضاً أمنية عامل حديقة الحيوانات الذي قضى كل حياته في رعاية الحيوانات، وقد طلبَ وهو يرقد في المستشفى أن يُلقي نظرة أخيرة على المكان الذي تعود عليه والحيوانات التي أحبها. وقد حملتهُ سيارة الإسعاف في جو عاطفي الى هناك، ليلقي نظرة أخيرة على الحيوانات، ومن فرط تآلفها ومحبتها له، اقتربت منه زرافه كان يرعاها ولعقت وجهه، وكأنها تقبله.
وقد طلبَ مريض آخر أن يحضر واحدة من حفلات الموسيقي أندريه ريو الذي يعشقه كثيراً، وهكذا نُقل على سرير المستشفى الى المسرح المفتوح الذي قدم فيه ريو أحد عروضه، وهناك قضى أجمل الساعات صحبة الموسيقى.
والمفاجئة الجميلة في هذه المبادرات العاطفية الرائعة، هي أن الكثير من الأمنيات كانت تتعلق بمشاهدة اللوحات المفضلة عند هؤلاء المرضى، وبالأخص رؤية لوحات ريمبرانت الذي يعتبر أعظم فنان هولندي، وربما أعظم فنان في تاريخ الرسم. مثلَ ذلك الرجل الذي طلبَ أن يوصلوه الى لوحة ريمبرانت الحراسة الليلية، وبما أنه يرقد في سرير المستشفى دون حراك، لذا جلبوه على سرير المستشفى ذاته وأدخلوه المتحف، ليتمتع بنظراته الأخيرة أمام هذا العمل المُلهم والعظيم. وهكذا لا يمكن لهؤلاء الإبتعاد عن اللمحة الملهمة الجميلة، حتى وهم في ساعات المرض وإقترابهم من النهاية، حيث لم يتوقفوا عن الشعور بالبهجة والفرح وهم يلقون نظراتهم الأخيرة على لوحات مواطنهم صانع الجمال.
يعود تأسيس هذه المنظمة الى الهولندي كيس فيلدبور، وقد خطرت في ذهنه هذه الفكرة أثناء تأدية عمله، حين كان يعمل كسائق سيارة إسعاف في المستشفى، حيث كان يقوم في أحد أيام عمله بنقلِ بحار قديم من المستشفى الى إحدى دور رعاية المسنين، وفي الطريق جاءه إتصال من دار الرعاية يخبره بأن غرفة المريض الذي معه سيتم تبديلها بغرفة كبيرة ومريحة أكثر، وهم بحاجة الى ساعة إضافة لتهيئة كل شيء. لذلك نظر كيس الى المريض الذي معه في سيارة الإسعاف وهم في منتصف الطريق وقال له (لدينا ساعة إضافية، هل لديك مكان معين تود زيارته، لنقضي هذه الساعة؟ وأنا مستعد لنقلك الى هناك والتمتع بالمكان، ثم نذهب بموعدنا الى دار المسنين.) وهنا إنفتح أسارير البحار العجوز وقال له (أحب حقاً زيارة ميناء روتردام الذي قضيت عمري بين مياهه، لألقي عليه نظرتي الوداعية الأخيرة). وكان له ما يريد حيث نقله كيس بكل أريحية ومحبة، وهناك شاهدَ كيف إنهمرت دموع هذا البحار المريض وهو يتحسس هواء الميناء ويرى مياهه المتدفقة.
عادَ كيس الى البيت بعد هذه الحالة الاستثنائية التي هزت مشاعره، وأخبر زوجته بأنه سينهي خدماته في المستشفى ويؤسس منظمة (سيارة إسعاف الأمنيات) بعد أن ألهمته حكاية البحار العجوز، فتحمست زوجته وتركت عملها أيضاً ووضعت يدها بيده. لتكبر هذه المؤسسة بسرعة وتعم شهرتها كل هولندا حيث ضمت مئات المتطوعين وهي تتنقل بين أمنيات الناس ورغباتهم الأخيرة، وبذلك منح كيس آلاف الناس شعوراً بالسعادة والطمأنينة والمتعة التي لا يمكن وصفها.
وهكذا لن تتوقف الأمنيات، وسوف لن تتوقف محاولات تحقيقها، مثل ذلك العجوز الهولندي المريض الذي كان يرغب في رؤية إحدى لوحات ريمبرانت غير المكتملة، وحين قاموا بتوصيله الى هناك، ألقى نظرته الأخيرة على اللوحة، وقالَ للممرضة التي معه (مثلما أن هذه اللوحة لم ولن تكتمل أبداً، أشعر أيضاً بأن حياتي لن تنتهي بعد) وأشار اليها قائلاً (فلنعود الى المستشفـي، لقد رأيت بما فيه الكفاية).

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

 علي حسين ذكر كاتبو سيرة نوري السعيد أشهر رئيس وزراء في تاريخ العراق، أن الرجل كان يقابل تصرفات بعض الساسة ونزقهم وتهورهم بأن يرفع يديه إلى السماء قائلا : "اللهم أشكو إليك زعاطيط...
علي حسين

كلاكيت: نيتفلكس.. من منصة توزيع الى ملاذ لمشاريع

 علاء المفرجي - 1 - عندما تأسست نيتفلكس عام 1997 في الولايات المتحدة، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول شركة لتأجير أقراص DVD بالبريد إلى واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في صناعة السينما...
علاء المفرجي

حملة عدائية تستهدف المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان الفلسطيني

د.كاظم المقدادي في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتعرض المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرنشيسكا ألبنيزي، لحملة عدائية سافرة جديدة وسط الهجمات...
د. كاظم المقدادي

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

جورج منصور في صباح شتوي من شتاءات أربيل، كانت المدينة تستيقظ على وقع بردٍ خفيف يهبط من سفوح الجبال القريبة المكسوة بالغيوم، وعلى إيقاع حياةٍ لم تهدأ منذ قرون. هناك، بين أزقة التاريخ العتيقة...
جورج منصور
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram