TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > متى يفقد النظام السياسي شرعيته؟

متى يفقد النظام السياسي شرعيته؟

نشر في: 15 يوليو, 2025: 12:02 ص

نصيف الخصاف

شرعية النظام السياسي، أي نظام، تعني، حسب هابرماس 1979)) وجود أسباب وجيهة، للإعتراف بصحة وعدالة واستحقاق وجدارة النظام السياسي للحكم" فيما يعرفها بيثام (1991) بأنها "توافق عمل السلطات مع القواعد الشعبية المبررة شعبياً التي تتيح قبول الناس بحكم تلك السلطات" مع وجود تعريفات أخرى لا تختلف من حيث الجوهر مع ما يتضمنه التعريفان أعلاه من شرط قبول واعتراف المحكومين بعدالة وجدارة السلطات الحاكمة له، ما يعني ضمناً إن إخفاق السلطات في تحقيق شرط العدالة، سواء في تطبيق القوانين، أو في الإجراءات والمعاملات، أو في توزيع المكافئات وإيقاع العقوبات، أو كان عمل السلطات لا يتوافق مع إرادة القواعد الشعبية، يُفقد النظام السياسي شرعيته التي مُنِحها من قبل مواطنيه، وثمة من يجادل، أن السلطة قد تكون اكتُسبت من خلال صنادق انتخابات "شفافة ونزيهة" وهي حجة، وإن كانت قوية ومقنعة في أغلب الأحيان، لكنها في أحيان كثيرة لا تعكس إلا رغبة القوى الممسكة بالسلطة في إضفاء الشرعية الشكلية على وجودها، فجوهر عملية الإنتخابات هو أن تكون وسيلة سلمية تتيح للمحكومين تغيير السلطة سلمياً، بدل اللجوء إلى الثورات والاحتجاجات التي قد تؤدي إلى نتائج وخيمة للبلد المعني، وهذا يحتاج إلى إدراك أحزاب السلطة وعملها من أجل ضمان شفافية ونزاهة الانتخابات، لا أن تعمل على أن تكون وسيلة تحقق غايتها في الاحتفاظ بالسلطة، كما حدث، ويحدث في بلدان كثيرة.
لكن ثمة مشكلة نظرية تظهر في المعيار الذي يمكن بوساطته مقايسة "عدالة النظام"، ومدى "توافق عمله مع إرادة القواعد الشعبية"، ما يحيلنا إلى سؤال محوري، هل يُدرك المحكومون مقدار انحراف النظام عن مسار تحقيق العدالة؟ وهل يدركون مقدار توافقه مع إرادتهم الشعبية؟ فإدراكهم للتناقض بين ما يحصلون عليه من خدمات، وظروف المعيشة، وبين ما يأملونه أو يتوقعونه من السلطات من الخدمات وظروف المعيشة، بالإضافة إلى إدراكهم لوجود تناقض أو اختلاف في تطبيق القوانين والإجراءات بينهم وبين المحسوبين على السلطات، يُعد شرطاً أساسياً في تقرير مدى شرعية النظام من عدمها.
تناول د. مازن حاتم هذا الموضوع بتفصيل أكثر، وبطريقة أكاديمية رصينة، في كتابه الموسوم (تآكل الشرعية السياسية/ دراسة في سيكولوجيا الموقف من السلطة) الذي صدرت طبعته الأولى عن دار قناديل للنشر والتوزيع سنة 2024، ومما ذكره أن "الوعي الناقد" الذي عرّفه (Freire 1973) بأنه "الطريقة التي يتعلم بها الأفراد المضطهدون والمهمشون، تحليل أوضاعهم الاجتماعية بشكل ناقد، والعمل على تغييرها" أو كما عرفه (Diemer, M. A. 2017) قدرة الأفراد على التحليل الناقد لأوضاعهم الاجتماعية والسياسية، وتأييد المساواة الاجتماعية، والعمل على تغيير أوجه عدم المساواة المُدركة"، أي كما ذهب أرسطو "أن الآليات التي تتبعها السلطات في توزيع المكافئات على المجتمع، هي جزء لا يتجزأ من سياساتها، وأن الظلم التوزيعي هو الذي يجعل الحكومات غير مستقرة".
ولو أجرينا بحثاُ ميدانياً، كما فعل د.مازن حاتم في كتابه المشار إليه أعلاه، عن مدى رضا الناس في أي بلد، عن عدالة، وجدارة النظام السياسي، وقناعتهم بأنه يمثل إرادتها، من خلال إجابة أسئلة مثل هذه:
هل تثق بالحكومة في بلدك؟ هل يتعامل القضاء في بلدك مع الكل بالتساوي؟ هل البرلمان في بلدك له الحق في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتك؟ هل يستحق النظام القائم في بلدك أن يمنحه الناس ولاءهم المطلق؟ هل تعمل الحكومة لصالح كل المواطنين، وليس لصالح فئة معينة؟ هل الانتخابات في بلدك، حرة ونزيهة؟ هل ما يقوله القادة السياسيون، يستحق التصديق؟ هل ينبغي على الناس الخضوع إلى القوانين التي يصدرها البرلمان حتى لو كانوا يعتقدون أنها غير عادلة؟ وغيرها من الأسئلة التي يمكن من خلالها مقايسة شرعية النظام من عدمها، لوجدنا أن عدد كبير من الأنظمة، بما في ذلك تلك التي تُجرى فيها انتخابات شكلية تفتقد إلى الشرعية بأشواط.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

صور| إقبال على المواد الغذائية استعدادًا للشهر الكريم في بغداد

بـ"مشاركة إسرائيل".. أكسيوس: إدارة ترمب تستعد لعمل عسكري ضد إيران!

أمريكا تنقل 50 طائرة للشرق الأوسط وإيران مستعدة لإغلاق هرمز!

أسواق بغداد تستقبل رمضان بزخم التسوق وقلق من ارتفاع الأسعار!

منع بث مسلسل "حمدية" على قناة MBC عراق

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

 علي حسين اربعة اعوام مضت منذ أن جلس السيد لطيف رشيد على كرسي رئاسة الجمهورية ، وخلال هذه المدة لم يعرف المواطن العراقي ما هي المسؤوليات التي يقوم بها الرئيس ، فهو يظهر...
علي حسين

قناطر: في تعظيم المال الحكومي

طالب عبد العزيز إذا كان الفدرالي الأمريكي هو المتحكم بأموال العراق من مبيعاته النفطية الى أمد غير معلوم فالبلاد بحكم المريض بالخنق، المحجوب عنه الهواء، وهذا المغذِّي المعلق عند سرير الحكومي قابل للسحب في...
طالب عبد العزيز

الملامح غير المنظورة في الشخصية العراقية

د. يوسف حمه صالح تُعدّ دراسة الشخصية الوطنية من أكثر الموضوعات تعقيداً وإشكالية في علم النفس الاجتماعي والثقافي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمجتمع مرّ بتحولات تاريخية عنيفة، وصدمات سياسية واجتماعية متراكمة، كما هو...
يوسف حمه صالح مصطفى

الاقتصاد العالمي: هل يُعتبر عام 2025 درسًا اقتصادياً صعباً ؟

لورينزو ديلبيش ترجمة :المدى التعريفات الجمركية، والتوترات الجيوسياسية، والحرب الاقتصادية... عبارات سمعناها مرارًا وتكرارًا في الإذاعة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي طوال العام. في مواجهة سيل التحديات التي حملها عام 2025،وقد حان الوقت لتقييم النمو...
لورينزو ديلبيش
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram