TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > (المدى).. قطبيةٌ ثقافيةٌ تناهضُ ظلامينِ!

(المدى).. قطبيةٌ ثقافيةٌ تناهضُ ظلامينِ!

نشر في: 5 أغسطس, 2025: 12:03 ص

فارس كمال نظمي

ما يميز أي صحافة تنويرية متجذرة إنها تناضل بمشروعها الفكري ضد كل أنواع الظلام المحيط بها مهما تبدلت هيمنته الأيديولوجية وعناوينه السياسية. وهذا ما فعلته وما تفعله صحيفة "المدى" العراقية منذ أكثر من عقدين، حينما صدرت للمرة الأولى في بغداد، لتبدأ رسالتها الثقافية النقدية لمعالجة آثار الدكتاتورية التي خلّفها النظام الفاشي قبل سقوطه في 2003 على يد الاحتلال الأمريكي. ومع تلاحق الأحداث، وبروز القمع الديني والطائفية السياسية حد الاقتتال الأهلي، اضطلعت "المدى" بمهمة جديدة هي تعرية الاستبداد الجديد، والكشف اليومي المجهري عن أدق مفاصله ووظائفه ومآلاته الهدمية. ولذلك يحق لهذه الصحيفة أن تحتفل اليوم بسطوعِ وديمومة رسالتها المزدوجة: أي تفكيك آثار وجرائم الماضي الشمولية، وتعرية ما أعقبها حتى اليوم من عنف وفساد وانحطاط ورثاثة.
ولعل ما يفسر هذه القدرة الاستثنائية المزدوجة التي تميزت بها "المدى" طوال هذه الزمن السياسي العسير، إن إدارتها عملت منذ البداية لتكون ملاذاً لعدد لا يحصى من الأقلام النقدية والتقدمية من مختلف المشارب الفكرية المتباينة. وهنا يكمن سر ديمومتها وتفردها، إذ تصرفت بوصفها قطباً جاذباً لكل ما هو عقلاني على مستوى الآراء والأفكار والتحقيقات والحوارات وصياغة الأخبار، في بلد ظل مفتقراً لهذه القطبية الصحفية لأكثر من نصف قرن، فيما اختفت أو تراجعت عشرات الصحف الأخرى التي كان من المؤمل أن تؤدي دوراً مماثلاً.
أما التحدي الأساسي الذي تواجهه "المدى" اليوم -كبقية المطبوعات الصحفية- هو تراجع تأثير الصحيفة اليومية الورقية (وحتى الإلكترونية) أمام طوفان وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تؤدي دوراً "صحفياً" بديلاً في قدرتها على الانتشار والتأثير والوصول إلى عقول جمهور واسع دونما رصانة فكرية أو أمانة معلوماتية. إلا إن هذا التحدي يمكن التعامل معه واحتواءه -نسبياً- عبر أسلوبين. يتمثل الأسلوب الأول بتطوير المهارات الرقمية للـ"المدى" عبر ابتكار تقنيات خوارزمية جديدة تسمح بإيصال موادها الإخبارية والفكرية لقطاع واسع من الجمهور من خلال تجزئة هذه المواد والترويج لها بطريقة مفردة مشوقة، إلى جانب الترويج للصحيفة ككل. ويتحدد الأسلوب الثاني باستمرار "المدى" بنهجها في أن تبقى قطباً جاذباً واستثنائياً لكل ما هو عقلاني، في مواجهة مفتوحة وجريئة وغير مهادنة مع تفاهة وفساد المجال السياسي العراقي الحالي وما أفرزه من عدمية سياسية وبؤس ثقافي واغتراب اجتماعي لدى فئات واسعة من الجمهور، بما فيهم نخب باتت يائسة أو منكفئة أو اندفعت لتتماهى بالمشروع الأيديولوجي للسلطة.
إن هذا الدور الذي أفترضُه لـ"المدى" قد يبدو مبالغاً به أو يتعدى حدود صحيفة يومية. إلا إن وضعاً استثنائياً كالوضع العراقي الحالي تغيب فيه قطبية ثقافية قادرة على مناهضة حملات التجهيل والتتفيه والتيئيس والتسقيط والشيطنة التي تمارسها يومياً ماكينة الهيمنة الإسلاموية بسياسييها ورجال دينها ومدونيها و"مثقفيها"، يمنح صحيفة "المدى" دوراً نوعياً فريداً -مهما كان محدوداً أو جزئياً- في تعبئة الهيمنة المضادة، وفي تحفيز سيكولوجيا الأمل وقيم الوطنية والتسامح، وفي التذكير الثابت والمثابر إن الوعي الزائف الذي يغلف الحياة العراقية اليوم ليس خياراً نابتاً من ضرورات أملتها الثقافة المجتمعية، بل فرضاً أيديولوجياً أملاه احتكار الأقلية الفاسدة للسلطة والمال والإعلام والسلاح، وهو فرضٌ مؤقت قابل للنقض في أي وقت آني أو زمن اجتماعي قادم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

 علي حسين اربعة اعوام مضت منذ أن جلس السيد لطيف رشيد على كرسي رئاسة الجمهورية ، وخلال هذه المدة لم يعرف المواطن العراقي ما هي المسؤوليات التي يقوم بها الرئيس ، فهو يظهر...
علي حسين

قناطر: في تعظيم المال الحكومي

طالب عبد العزيز إذا كان الفدرالي الأمريكي هو المتحكم بأموال العراق من مبيعاته النفطية الى أمد غير معلوم فالبلاد بحكم المريض بالخنق، المحجوب عنه الهواء، وهذا المغذِّي المعلق عند سرير الحكومي قابل للسحب في...
طالب عبد العزيز

الملامح غير المنظورة في الشخصية العراقية

د. يوسف حمه صالح تُعدّ دراسة الشخصية الوطنية من أكثر الموضوعات تعقيداً وإشكالية في علم النفس الاجتماعي والثقافي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمجتمع مرّ بتحولات تاريخية عنيفة، وصدمات سياسية واجتماعية متراكمة، كما هو...
يوسف حمه صالح مصطفى

الاقتصاد العالمي: هل يُعتبر عام 2025 درسًا اقتصادياً صعباً ؟

لورينزو ديلبيش ترجمة :المدى التعريفات الجمركية، والتوترات الجيوسياسية، والحرب الاقتصادية... عبارات سمعناها مرارًا وتكرارًا في الإذاعة والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي طوال العام. في مواجهة سيل التحديات التي حملها عام 2025،وقد حان الوقت لتقييم النمو...
لورينزو ديلبيش
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram