TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: السرديّة المقدَّسة وصمتُ المفكِّر

قناطر: السرديّة المقدَّسة وصمتُ المفكِّر

نشر في: 6 أغسطس, 2025: 12:04 ص

طالب عبد العزيز

حجبت النصوصُ المقدسةُ عن الباحث والمفكر العربي المسلم آلية الخوضِ في كثير مما تقوم عليه الحياة بشرقنا العربي، وظلت النصوص تلك سيدةَ التصور العام، والمسّلم بها، وغير القابلة للنقاش والدحض، وبذلك صمت هؤلاء عن الخوض في علوم الأجناس الطبيعية، والسلالات، والفيزياء، والكيمياء، ونظريات النشوء ووو.. وكفّوا عن ممارسة أيِّ دور في تفكيك منظومة الكون والخلق والانسان والنظريات الجينية وسواها اللهم إلا من قلَّةٍ تجرأت هنا وهناك، الذين لاقوا الامرّين من عنتٍ وتشدد، أودى بحياة بعضهم، وأقعد البعض الآخر وبذلك سادت النصوص تلك، ولتصبح وتمسي المرجع الأول والأخير، بعد توقّف العقل المفكِّر عن أداء دوره في التطور.
ليست النصوصُ المقدسة وحدها من حجب البحوث في الشؤون تلك، إنّما المجتمع بتقاليده الصارمة وعاداته المتوارثَة أيضاً. شخصياً أستغربُ من ندرة الدراسات التي ترصد الظواهر الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، الطقوسية مع وجود عشرات الأساتذة الاكاديميين الذين تعجُّ بهم أروقة الجامعات العراقية بخاصة وأسأل: أين هم من ظاهرة صالونات الحلاقة والمساج والبلوكرات والفاشنستات الجديدة على مجتمعنا والتي تطالعنا في وسائل التواصل الاجتماعي؟ هذا العُري الفاضح، وهذه الدعارة المصرّح بها من بعضهنَّ أحياناً، وهذه الأموال والسيارات التي بحوزتهن، وما معنى وجودهنَّ القوي والفاعل في السياسة، واستخدامهن في حملات الانتخابات، من يقف وراءهن، ومن المنتفع؛ ولماذا؟ وكيف تبرز الظواهر هذه في مجتمع يوصف بالمحافظ، وفي ظلِّ نظام يوصف بالاسلامي، بوجود الآلاف من المساجد والحسينيات والمراجع والمشايخ والخطباء والوعاظ فضلاً عن الجماعات الدينية المسلحة؟
وهناك ظواهر أخرى، غريبة، تمكنت من المجتمع العراقي حتى أصبحت بحكم الواقع والصحيح مثل ظاهرة التدين التي لا علاقة لها بالدين، والاسلمة التي لا علاقة لها بالإسلام، وتبرير الثراء غير المشروع بالآيات والاحاديث، والخروج عن أصول العزاء العاشورائي تحت مسميات مختلفة، وإيجاد الذرائع غير المنطقية له، وغرضنة الدين والمذهب في ما لا يصحُّ غرضنته، وهناك إفراط في الاتاحة والمنع، في الغلو والتشدد، في التقديس والشتم، في فهم الكرم والسرقة، في الإحياء والقتل، في الغنى والفقر، في المجاهرة بالإيمان الكاذب؛ بوجود الفسق المعلن، وتشريع الفساد بمسمى النعمة الإلاهية المساقة لصاحبها، وغير ذلك الكثير، وهي أكبر من تُرصد وتُوصف في مقال صحفيٍّ قصير، هذه الظواهر بحاجة الى توقّف الباحثين، فلاسفةَ وعلماءَ السسيولوجيا والانثربولوجيا، والمشتغلين في حقول البحث العلمي، المجرّد من التأثيرات الدينية، وهم بيقيننا كثرٌ في جامعاتنا.
ربما، نقول بأنَّهم يخشون الخوض في هذه وتلك، بسبب ظروف البلد الموضوعية، التي لا تسمح لهم، وربما، اكتفى بعضهم بالدرجة العلمية الرفيعة سبباً لمعيشته، منتفعاً بالراتب المجزي الذي يتقاضاه، وقد نقول ونقول ونقول لكننا، قد نقطع بقولنا: إنَّ كثيراً منهم تماهى مع السردية الدينية؛ ومقولة رجل الدين؛ وذهبَ بشكوكه الى قطع علاقته مع أفكاره وعلومه التي درسها، وهنا يكمن الخطر، حيث تصبح كل الممارسات المخيفة تلك جائزةً بحكم صمت العالم والمفكر(الانموذج) عنها، وبذلك يفقد المجتمع حقَّه في التفكير والتغيير، فقد سقط الانموذج أمامه، وتسيّدت السردية تلك، لا بقدرتها على الاقناع، إنّما بامتناع محاورتها وتفكيكها، فأين هؤلاء من الحرية التي نفهمها كطريق الى الخلاص من الكذب والنفاق الاجتماعيين، في أقل تقدير؟ ولماذا تملأ المؤسسة الدينية المتأسلمة كلَّ شاغر في حياتنا؟ فنجدها في الهيمنة على التعليم والمال والسياسة والثقافة والصحة والاقتصاد والقضاء. ثم لماذا تقرن كلُّ سبل التغيير بالدين، وقد أثبتت فشلها في مصر وتونس وسوريا والعراق؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram