TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > شعارات 2025.. هل يبيعوننا الخوف أم يبيعوننا الأمل؟

شعارات 2025.. هل يبيعوننا الخوف أم يبيعوننا الأمل؟

نشر في: 4 نوفمبر, 2025: 12:17 ص

محمد علي الحيدري

في المشهد الانتخابي لعام 2025، تتكرر الشعارات وتتبدل الصيغ، لكن جوهر الخطاب يبقى واحدًا: مخاطبة العاطفة بدل الوعي، واستدعاء الخوف بدل البرنامج. الثقافة الانتخابية في العراق ما زالت أسيرة معادلة قديمة، تُخاطب الناخب لا بوصفه شريكًا في القرار، بل متلقيًا لرسائل مطمئنة أو مُخيفة، تَعد أو تُحذّر، دون أن تُقدّم ما يُقاس أو يُحاسَب عليه.
شعار «لا تضيعوها» مثلا يُغلّف التحذير بالمسؤولية. إنه شعار يخاطب الذاكرة أكثر مما يخاطب المستقبل، ويستند إلى فكرة الخسارة لا البناء. في ظاهره دعوة إلى حماية المكتسبات أو المنجزات، لكنه في جوهره يعكس خوفًا من التغيير وإعادة المراجعة. فالمكتسبات التي يُراد الحفاظ عليها غالبًا هي بحسب الرأي العام من نصيب الطبقة الحاكمة، لا المواطن. فحين تتعثر الخدمات، وترتفع البطالة، ويستمر الفساد، يصبح التمسك بما هو قائم خيارًا مريحًا لمن يستفيد منه، لا للمجتمع بأسره.
أما شعار «ما ننطيها»، فهو ينتمي إلى لغة القوة والتمسك والكرامة، لكنه يختزن في بنيته إشكالية عميقة: مَن يملك حتى يُقرر المنح أو المنع؟ الدولة ليست ملكًا لفئة أو جهة، بل عقد عام تُدار بموجبه شؤون الناس وفق الدستور والقانون. حين تُختزل في شعار كهذا، يُعاد إنتاج ثقافة المحاصصة، وتصبح السلطة رمزية أكثر مما هي أداة لإدارة الدولة وخدمة المواطنين.
شعار «عراق قوي» يحمل بريقًا جاذبًا لكنه يعاني من الغموض ذاته الذي لازم الخطاب السياسي لعقود. وهو يحمل في طياته صدى شعارات النظام البعثي السابق، الذي كان يرفع شعارات مماثلة لتسويق القوة والإنجاز دون ربطها بالواقع اليومي للمواطن. القوة، حين تُستخدم دون تحديد، تتحول إلى معنى رمزي فضفاض، يُعبّر عن رغبة جماعية مشروعة دون أن يرتبط بآليات واضحة لتحقيقها. وما لم يُربط الخطاب السياسي بخطط قابلة للقياس، تبقى القوة مجرد شعار جاذب يكرر نفسه مع كل موسم انتخابي.
ما تكشفه هذه الشعارات مجتمعة هو أن السياسة الانتخابية في العراق ما زالت تُدار بعقلية التعبئة لا الإدارة. فبدل أن تُبنى الحملات على البرامج والأرقام والمراجعات، تُبنى على العاطفة والخطاب الرمزي، وكأن المطلوب من الناخب أن يمنح الثقة لمن يُجيد الخطابة، لا لمن يمتلك رؤية واقعية لإدارة الدولة.
المجتمعات لا تنهض بالخوف، ولا تتماسك بالشعارات، بل بالمصارحة والمساءلة. السياسة حين تُختزل في لغة التحشيد تفقد جوهرها بوصفها أداة للتنمية والإصلاح. الحاجة اليوم ليست إلى وعود جديدة، بل إلى وعيٍ انتخابي يميز بين الخطاب الذي يُطمئن والخطاب الذي يُقنع، بين من يطلب الثقة ومن يُقدّم استحقاقها.
اختبار انتخابات 2025 لن يكون في صناديق الاقتراع فحسب، بل في مستوى الوعي الذي يصاحبها. فإما أن يبقى الخطاب السياسي أسير الخوف والرمز، أو يتحول إلى مساحة جديدة تُبنى فيها الثقة على الفعل لا على الشعارات. العراق لا يحتاج إلى من يبيعه الأمل، بل إلى من يُجيد صناعته.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

 علي حسين تأمّل العراقيون أن يكون التغيير بوابتهم لتأسيس دولة القانون والمواطنة، غير أنهم اكتشفوا بعد سنوات من سقوط تمثال صدام أن الأمور تمضي وكأن الذين يحكموننا يكرهون القانون ويحتقرون الحرية، وقصة محافظات...
علي حسين

"عقدة المالكي" بين مباركة ايران ورفض اميركا

د. اياد العنبر بما أننا نعيش في أيام يحكم فيها الولايات المتحدة الأميركية الرئيس دونالد ترمب، فعلينا أن لا نستغرب من أي موقف يعلن عنه أو تصريح له يخص بلداننا في الشرق الأوسط. إلا...
اياد العنبر

الفصام السياسي (الشيزوفرينيا السياسية) في العراق

امجد السواد يُعدّ مفهوم الفصام السياسي أو الشيزوفرينيا السياسية من أكثر المفاهيم قدرةً على توصيف الازدواجية العميقة في الشخصية العراقية، سواء حين يكون الفرد محكومًا أم حين ينتقل إلى موقع الحُكم. فالعراقي، وهو في...
د. امجد السواد

التكامل الاقتصادي الإقليمي كبنية مستدامة للواردات غير النفطية

ثامر الهيمص المرض الهولندي تزامنت شدته علينا بالإضافة لاحادية اقتصاديا كدولة ريعية من خلال تصدير النفط الخام مع ملف المياه وعدم الاستقرار الإقليمي. حيث الاخير عامل حاسم في شل عملية الاستثمار إجمالا حتى الاستثمار...
ثامر الهيمص
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram