TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أثر الصراعات الدولية على نفط العراق

أثر الصراعات الدولية على نفط العراق

نشر في: 23 نوفمبر, 2025: 12:01 ص

رزاق عداي

في كتاب الخبير النفطي المعروف " ابراهيم علاوي " ، ( البترول العراقي والتحرر الوطني ) يذكر ان الالمان، لهذا السبب او ذاك ، هم اول من توصلوا الى الحجم الهائل من الثروة النفطية ، المخزونة في التربة العراقية ، في فترة النهوض الراسمالي الكبير في الاقتصاد الالماني في مطلع القرن العشرين ، وللاْدراك المبكر لاهمية النفط كمصدر اساسي للطاقة في المستقبل ، بادروا الى انشاء سكة حديد بغداد - برلين في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الاولى ، ولكن المشروع تعرض للاحباط ، نتيجة لهزيمتهم في الحرب العالمية الاولى ، ولافتضاح مشروعهم هذا من قبل بريطانيا ، فتحول مشروع استثمار النفط العراقي بنسبة عالية نحو الشركات البريطانية ، واقل منه الى شركات فرنسية ، حتى ان بريطانيا قاتلت بضراوة دبلماسياً , عندما كان العراق تحت انتدابها ، في قضية عائدية لواء الموصل الى العراق لما عرضت القضية على طاولة عصبة الامم ، ولكي لا يذهب نفط الموصل الى تركيا ،، ولذلك سيطرة بريطانيا على النفط العراقي بشكل مطلق تقريبا ، من خلال شركة النفط البريطانية المعروفة bbc ، هذا عندما كانت بريطانيا تسمى العظمى ، وفي فترة كونها المركز الاقوى في النظام الراسمالي العالمي .
بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت الموازيين الدولية ، تراجعت بريطانيا ، وتقدمت امريكا لتكون القطب الاكبر للمعسكر الرااْسمالي ، وتزايدت اهمية النفط كثيرا وبات الشريان الحيوي للحياة الاقتصادية للغرب ، وعلى ذلك تحملت امريكا مسؤ ولية تاْمين هذا الثروة وحماية مصادر انتاجها ، في فترة لم يكن انتاجها المحلي ليسد الحاجة المحلية المتزايدة للطاقة ، لذلك وقفت ضد كل اجراء من شانه ان يحرر هذه الثروة ويستغلها وطنيا ويجعلها تصب لصالح منتيجيها ، كتاْميم كل عمليات الانتاج النفطي وتسويقه ، وناصبت العداء لكل المؤسسات الوطنية والدولية التي من شاْنها ان تسيطر وتنظم اسعار النفط في العالم كمنظمتي اوبك ، واوابك ، وكلنا يتذكر ما تعرض له الاقتصاد العالمي من شلل ، وما اصاب الغرب من خوف وهلع عندما شرعت الدول العربية المنتجة للنفط بايقاف ضخ النفط للاسواق العالمية بعد المعارك الاسرائيلية -العربية بما سمي معارك تشرين 1973 ، فسارعت امريكا من خلال الاستراتيجي ( هنري كسنجر ) وزير خارجيتها الاسبق ، الى تاْسيس منظمة" الطاقة العالمية " المضادة في نشاطها الى منظمة اوبك ، فاوعز الى انشاء خزانات عملاقة لتجميع الخزين الاستراتيجي ، وضخه بشكل مفاجيْ في اسواق النفط العالمية لاحداث صدمة هبوط كبيرة في مستوى الاسعار والتاْثير على المعروض النفطي ، وبمرور الوقت اصبحت امريكا هي المقررة لاسعار النفط وتذبذبها المستمر من خلال مخزونها الاستراتيجي العملاق .
بالنسبة للنفط العراقي لا تسطيع امريكا ان تخفي انظارها واطماعها نحوه منذ زمن بعيد ، ورغم ان الشركات الصينية باتت مستثمرة لنسبة عالية منه في السنوات الاخيرة ، ولكن امريكا تستطيع بشتى الوسائل ان تقلص من رقعة سيطرة الصين ، وهذا ما لمسناه بالفترة الاخيرة من دخول اكبر الشركات للاستثمارية النفطية الامريكية في ساحة نفط العراق ، ومستقبلا ومن خلال التسهيلات التي قدمها العراق لها سيكون النفط العراقي بكافة مراحله الاستكشافية والاخراجية وربما حتى التسويق تحت الاشراف الامريكي ، ذلك لان ترامب ظل يحلم ويؤمن باقل الاسعار للنفط ، من خلال زيادة الانتاج والعرض العالمي !!!
عقوبات الخزانة الامريكية على الشركات الروسية العاملة في مجال النفط في العراق في الفترة الاخيرة ، التي شملت شركتي " لوك اويل " التي تعمل في حقل القرنة -٢ في البصرة ، وشركة " روسنفت" العاملة في كردستان ، وقعت تداعياتها السلبية المباشرة على العراق ، فحقل قرنة -٢ من الحقول العملاقة عالميا ، والذي توقفت عملياته في الايام الاخيرة ، ويبلغ انتاجه اليومي ( ٤٨٠ ) الف برميل يوميا ، ١٠ ./. من الناتج النفطي الكلي ، وتبلغ الخسائر جراء التوقف اكثر من مليار دولار شهريا ، اذ لا يمكن لشركة ( سومو ) حسم التسويات المالية بالدولار مع الشركة الروسية .
هذا ما يمثل التداعيات الاولى للسياسات الامريكية في ظل النزاعات الدولية الراهنة التي تشمل عقوبات الشركات الروسية في الاونة الاخيرة ، وسوف تتبعها الشركات الصينية ، التي تمثل ثلثي الشركات العالمية العاملة في الحقل النفطي العراقي ( التراخيص ) ، وهذا بالتالي يعبر عن فشل كبير في مجال سياسة الاستثمار النفطي العراقي ، الذي تمثل في ابعاد والغاء كل جهد وطني ، والتوقف عن تطوير البنية التحتية لهذا الجانب الحيوي للصناعة الوطنية النفطية ، والاعتماد على العقود ، التي يطلق عليها بجولات التراخيص المشوبة بالفساد الكبير ، علما ان العراق ومنذ العهد الجمهوري الاول كان في طليعة الدول المنتجة للنفط ، التي تمتلك كادرا وطنيا على مستوى عال مشهود بكفاءته ، وبعد ذلك تأسست شركة النفط الوطنية في سنوات السبعينات من القرن الماضي التي لعبت دورا كبيرا في توسيع رقعة الاستثمارات ابتداءا من الاستكشافات وحتى التسويق ، وكان اول قانون نفطي عراقي إبان حكم الزعيم " عبد الكريم قاسم " هو قرار رقم ( ٨٠ ) الذي كان مضمونه يسهم في السيطرة النفطية والسماح لاكبر جهد وطني للمساهمة في هذا الجانب الحيوي في الاقتصاد الوطني العراقي ، اما الركون الى الشركات الاجنبية في تشغيل عمليات توسيع الرقع النفطية فقد كان من تاْويلات الطبقة السياسية الي جاءت بعد 2003 ، لاخضاع هذا الحقل لاكبر عمليات فساد شهدها العراق .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

 علي حسين عندما تقرأ في الأخبار أن القوات الامنية في مدينة الناصرية تمنع اقامة مهرجان للقراءة وتعتقل أحد منظمي المهرجان ، وان الحجة الجاهزة الترويج للبعث ، لان القوات الامنية التي تعجز عن...
علي حسين

باليت المدى: الجمال البسيط

 ستار كاووش في كل المدن والقرى الهولندية تفتتح الأسواق الشعبية الجميلة والمبهجة في عطلة نهاية الأسبوع عادة إضافة الى أوقات أخرى مختلفة من السنة، حيث تنتصب الأكشاك الصغيرة المؤقتة في ساحات مخصصة لهذا...
ستار كاووش

حول أسباب وتداعيات زيادة الرسوم الجمركية في العراق

د. فالح الحمراني وصفت قراءة اقتصادية نشرها معهد الشرق الأوسط في موسكو النزاع حول الرسوم الجمركية في العراق بأنه جزء من نزاع أوسع نطاقًا نجم عن تخبط التخطيط الاقتصادي في البلاد وتجاهل الحكومات المتعاقبة...
د. فالح الحمراني

الدبلوماسية بعد البعث: إرث القمع وفوضى التحول

حسن الجنابي (4ـ 4) سقوط نظام حزب البعث في عام 2003 لم يكن مجرد نهاية لعهد سياسي مستبد، بل صدمة شديدة لبنية الدولة العراقية ومؤسساتها، وخاصة وزارة الخارجية التي كانت تعمل أكثر كأداة في...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram