TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > التلوث البيئي في العراق على المحك: "المخاطر والتداعيات"

التلوث البيئي في العراق على المحك: "المخاطر والتداعيات"

نشر في: 3 ديسمبر, 2025: 12:02 ص

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

يعتصرني الالم الشديد وأنا وكل ممن يراقب المشهد البيئي العراقي من تلوث شمل الماء ، المياه والتربة وصل بالفعل لحدود خطيرة لامست عمق الحياة النابضة لكل من يسكن أرض العراق العزيز بل ويتجاوزه اقليميا ودوليا. إن مقياس نوع ودرجة الهواء المعروف عالمياIndex )QAI Air (Quality وصل لدرجة عالية جدا بحدود 168 بل وأكثر مضاعفة خلال الايام القليلة الماضية مقارنة بدول أخرى نجد معدلاتها لاترتفع بل وتقع في دائرة 0-50 درجة كناية عن جودة الهواء دون آثار صحية أو أن تكون في دائرة معتدلة بين 50 – 100 درجة باعتبار جودة الهواء مقبولة نسبيا .

عد العراق من أكثر دول العالم معاناة لظاهرة التلوث البيئي للهواء .صحيح أن التلوث البيئي عالميا مرتبط بمسألة التغيير المناخي أو ظاهرة الاحترار او التسخين الحراري التي تتصاعد حدتها كنتيجة لإدوار القوى العظمى (الصناعية المتقدمة) ولكن بخاصة من قبل الولايات المتحدة الامريكية ( تحت إدارة ترامب لا تراعي الاهتمام بحماية البيئة) والصين (رغم جهودها الكبيرة لاستخدام الطاقة المتجددة) وغيرها من الدول الصناعية الكبرى في اوروبا وفي جنوب شرقي أسيا .
في العراق ومنطقتنا العربية والشرق اوسطية ترجع الازمات البيئية بشكل خاص لسوء إدارة الموارد والامكانات المادية والبشرية المتخصصة لحماية البيئة التي تتباين من دولة لإخرى في درجة الخطورة والتداعيات ولكنها تشترك في كونها أزمات بيئية تهدد بشكل مباشرحياة الانسان خاصة مع افتقاد التعاون والتنسيق الاقليمي والدولي لتحجيم التاثيرات السلبية الخطيرة . إن التقارير الدولية تشير إلى أن العراق عبر عقود يعاني من سوء إدارة لعدد من مرافقه البيئية والصحية الحيوية التي تؤكد حالات تصاعد المخلفات الصناعية والصحية تتمثل مثلا بظاهرة الصرف الصحي غير المعالج التي تنتهي بمصبات لهذه السموم الخطيرة في الانهارملوثة شبكة واسعة من مياه - نهري دجلة والفرات يضاف لها حالات واضحة من انبعاثات للغازات السامة في الهواء مثل غاز ثاني أوكسيد الكاربون والكبريت والميثان المحترق من مواقع المصافي النفطية وغيرها من مصانع للمواد الكيميائية التي تشتمل على سموم متنوعة خطيرة تسبب دون شك بمخاطر صحية كبرى للبشر خاصة للاطفال ولكبار السن ولكل الذين يعانون من ضيق في التنفس ، بعضها يصل لسرطان الرئة أوربما لإزمات قلبية حادة . هذا عدا عن تصاعد أعداد السيارات المعتمدة على وقود النفط والغاز المسببة لتلوث في الهواء كبير جدا خاصة وإن عدد السيارات الكهربائية لازال قليلا جدا . من منظور مكمل تتضاعف مشكلة الازدحامات المرورية بأنتظار ان يتم حلها بصورة سريعة نسبيا عبر إنجاز كافة المجسرات والطرق التي افتتح العديد منها مؤخرا . مظهر آخرسلبي يعاني منه العراق مسالة تنامي أعداد المولدات للطاقة الكهربائية التي تسهم هي الاخرى بتأثيرها سلبا على نوعية الحياة نظرا لانبعاثات الغازات السامة . أزمات خطيرة في نهاية المطاف لابد من إيجاد حلول ناجعة لها سريعا ضمن جدول استراتيجي محدد واضح المعالم من خلال بناء محطات للطاقة الكهربائية التي تعتمد على الوقود المتجدد والاخضر بعيدا عن الوقود الاحفوري. لعل حرق النفايات بشكل عشوائي يؤثر هو الاخر على تصاعد غير مسبوق في درجة تلوث الهواء بصورة واضحة للعيان في كل صباح ومساء. لايفوتني أن اشير لدور القوى الكبرى في تصاعد أزمة معالجة المخلفات (بصورة غير قانونية) من خلال ما اشار اليه أل جور نائب الرئيس الامريكي (حائز على جائزة نوبل ) في كتابه المعنون المستقبل (The Future) مبينا أن السوق السوداء انتعشت في دول العالم النامي (المتخلف الفقير) بل وللصين ايضا التي حظيت بنسبة كبيرة منها حيث نقلت إليها مخلفات مادة البلاستيك من بعض دول الاتحاد الاوربي ؟ موضوع يدعونا لمراجعة جدية لموضوع طمر المخلفات بصورة قانونية - بيئية - صحية وعلمية في مناطق غير مأهولة بالسكان منعا لتنامي الازمات الصحية والبيئية وإتساقا مع ضرورة تحجيم تكاليف الطمر العشوائي ماديا وبشريا. إذ أن ضرورة الحفاظ على الحياة البشرية والاحيائية والنباتية مسألة جوهرية لإنتعاش التنوع البايولوجي. علما بإن مخلفات الثورة التقنية الالكترونية e-wasteهي الاخرى تطل برأسها في دول العالم المتقدم وايضا في دول العالم النامي الصاعد (نسبيا) منه الامرالذي يستوجب استخدام الطرق الحديثة لتدوير المخلفات Recycling باقل التكاليف الممكنة ولكن بطرق آمنة مبتكرة . اما مخلفات الحروب في العالم وفي منطقتنا فهو موضوع ايضا بحاجة للمزيد من العناية خاصة وأن الهواء ، التربة والمياه اضحت مواقع مواتية لإنتشار الاوبئة والامراض الناجمة ع التلوث البيئي عموما.
كما اود أن أؤكد ضرورة وأهمية تصاعد حملات التشجير والزراعة ضمن أستراتيجية تأسيس الاحزمة الخضراء التي تحمي بلادنا التي تتعرض سنويا للعواصف الترابية ، وللجفاف أوالتصحر . من هنا لابد من النظر بموضوعية وبتحليل علمي وواقعي لتاريخ ، حاضر ومستقبل العراق الحديث من منطلق الاهتمام بالحقل الزراعي كأولوية عظمى تسهم بتنمية انسانية مستدامة ليس لحماية العراق من أهوال التغيير المناخي – البيئي فحسب ولكن ايضا كي تعضد جهودا حيوية لظاهرة الاكتفاء الغذائي للعراق باعتبارها مصلحة ستراتيجية وطنية شاملة. إن التخطيط السليم للعراق يفترض أن ينظر لكل العراق من شماله إلى جنويه ومن شرقه إلى غربه بصورة جدية وموضوعية علمية وشاملة كي نوفر لبلادنا إستراتيجية واقعية ومستقبلية بيئية - صحية واقتصادية – مجتمعية ملائمة لاحتياجاتنا ولحياتنا التي تعتبر أعز ما نملك.
ترتيبا على ما تقدم تأتي أخيرا ، أهمية بل وضرورة إحكام وتفعيل المسؤولية القانونية لحماية البيئة ومنع التلوث للحد من الشرور والكوارث الانسانية المرتقبة في حالة الاهمال أو التعمد بإحداث الضرر البيئي. ضمن هذا السياق : "يعتبر مبدأ مسؤولية الملوث حجر الزاوية في القانون البيئي على الصعيدين الوطني والدولي ، فهو المبدأ الذي يقرر مسؤولية محدث التلوث عن تعويض الاضرار الناجمة عن نشاطه "(عبد الناصر زياد هياجنة : القانون البيئي – النظرية العامة للقانون البيئي مع شرح التشريعات البيئية، 2012). علما بإن في العراق قانون يعاقب على المتسبب في التلوث البيئي يعرف قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 متضمنا نصوصا عقابية رادعة ، تشمل الغرامات المالية والسجن ، لكل من يخالف احكامه والانظمة والتعليمات الصادرة بموجبه. ترتيبا على ما تقدم فإن جميع المخالفات سواءا منها لتلوث الهواء وضرورة وضع آليات للحد منه والسيطرة عليه اوكذا للمخلفات الصناعية أو الصحية للموارد المائية او شبكات تصريف مياه الامطار دون ترخيص ، وايضا تلك التي تجاوز الحدود المسموح بها للضوضاء أو إدخال النفايات الخطرة والاشعاعية إلى البلاد الامر الذي يجب أن يجري منعها كليا.
أخيرا تبقى مسؤولية حماية البيئة من التلوث مسؤولية أنسانية مشتركة لجهات متعددة اهمها وأولها الجهة الحكومية ممثلة بمؤسسات ووزارات الدولة المعنية بالبيئة والصحة وبالامن الوطني بمفهومه الشامل الرادع لكل من يتسبب بمخاطر بيئية تهدد بقاء الجنس البشري. دون ذلك سنستمر بمواجهة مخاطر ثالوث تلوث الهواء والمياه والتربة بصورة مستدامة دون حلول ناجعة الامرالذي قد ينعكس سلبا على الصحة العامة والسلم الامني – المجتمعي والاقتصادي (الستراتيجي بالتعريف الاوسع). إن نطاق المسؤولية لابد أن يغطي أدوار متعددة متفاعلة مع بعضها ايجابا من الافراد ، الاسر ، الجماعات – الجمعيات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية في ظل مسار منسق فاعل - محرك لأليات التعاون والتنسيق أقليميا ودوليا خاصة مع المنظمات الاقليمية ولكن وبشكل اساسي منظمة الامم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة التي تحت رعايتها والمعنية بحماية حقوق الانسان بعيدا عن أية معوقات بيروقراطية او سياقات من الأدلجة السياسية – الاقتصادية التي تضع المصالح الخاصة في أولوية اهتماماتها على حساب الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل في حين أن حياة البشر وحياة كل الكائنات الحية هي أسمى ما خلق الله عزوجل وعلينا مسؤولية مشتركة عليا سامية للحفاظ عليها جميعا في ظل تكييف مع متغيرات العصر سريعة الايقاع.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. mizhermizher9@gmail.com

    منذ 3 شهور

    تقرير شامل حول معانات الشعب من ازمة تلوث الهواء والماء أعتقد ضرورة وجود منهج دراسي في المدارس المتوسطة والثانويه لانشاء جيل مستقبلي للحفاظ على البيئة الصحيحة والسليمة للمجتمع من خلال توجيههم للمخالفات والمخالفين بالإضافة لمهام مؤسسات الدولة

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

 علي حسين عندما تقرأ في الأخبار أن القوات الامنية في مدينة الناصرية تمنع اقامة مهرجان للقراءة وتعتقل أحد منظمي المهرجان ، وان الحجة الجاهزة الترويج للبعث ، لان القوات الامنية التي تعجز عن...
علي حسين

باليت المدى: الجمال البسيط

 ستار كاووش في كل المدن والقرى الهولندية تفتتح الأسواق الشعبية الجميلة والمبهجة في عطلة نهاية الأسبوع عادة إضافة الى أوقات أخرى مختلفة من السنة، حيث تنتصب الأكشاك الصغيرة المؤقتة في ساحات مخصصة لهذا...
ستار كاووش

حول أسباب وتداعيات زيادة الرسوم الجمركية في العراق

د. فالح الحمراني وصفت قراءة اقتصادية نشرها معهد الشرق الأوسط في موسكو النزاع حول الرسوم الجمركية في العراق بأنه جزء من نزاع أوسع نطاقًا نجم عن تخبط التخطيط الاقتصادي في البلاد وتجاهل الحكومات المتعاقبة...
د. فالح الحمراني

الدبلوماسية بعد البعث: إرث القمع وفوضى التحول

حسن الجنابي (4ـ 4) سقوط نظام حزب البعث في عام 2003 لم يكن مجرد نهاية لعهد سياسي مستبد، بل صدمة شديدة لبنية الدولة العراقية ومؤسساتها، وخاصة وزارة الخارجية التي كانت تعمل أكثر كأداة في...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram