ذي قار / حسين العامل
بالتزامن مع الذكرى السنوية لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول عام 1948، أعرب مسؤولون وناشطون عن قلقهم من تراجع حقوق الإنسان ومصادرة حرية الرأي والتعبير، محذرين من مغبة التسويف في إجراءات التحقيق بجرائم قمع المتظاهرين وتكريس نهج الإفلات من العقاب.
وقال الأكاديمي والناشط في مجال الدفاع عن الحريات الدكتور فارس حرّام لـ«المدى» إن «واقع حقوق الإنسان في العراق يشهد منذ سنوات، ولاسيما في السنوات الأخيرة، تراجعاً وانحساراً خطيراً، بحيث بلغ الأمر أن يقوم رئيس الوزراء بإقامة عدة دعاوى قضائية لملاحقة شخصيات انتقدت أدائه وسياسته في إدارة شؤون الدولة»، وأضاف أن «ما حصل كان فاتحة لتجرؤ كتل وقوى سياسية مختلفة ومقربين منها بإقامة دعاوى مماثلة ضد أصحاب الرأي المعارض».
ويرى حرّام أن ما حصل، وغيره من الانتهاكات، يمثل انتكاسة في العملية الديمقراطية، مشيراً إلى أن «الدستور حفظ حق العراقيين في تقييم وانتقاد الأداء الحكومي والسياسي وإبداء الرأي بكل الوسائل»، منتقداً استعادة قوانين من حقبة النظام الدكتاتوري السابق وإحيائها من جديد لغرض التصفية السياسية، عادّاً ذلك التفافاً على العملية الديمقراطية وانتكاسة كبيرة تستدعي التحذير من تداعياتها. وأردف: «فإذا استمر عمل القوى السياسية على هذا النهج فسيدفعون النظام السياسي إلى غلق الآفاق أمام المجتمع في مجال طرح آرائه، وهذا ما سينجم عنه احتقان سياسي كبير قد تكون عواقبه وخيمة على النظام برمّته». من جانبه يرى الناشط السياسي أحمد الوشّاح أن «الديمقراطية في العراق باتت مشوهة». وأوضح: «فرغم أن حرية التعبير كفلها الدستور العراقي وكفلتها منظمات ولوائح دولية، إلا أن الحكومة العراقية تمارس قمعاً ليس له مثيل»، مردفاً: «في بعض الأحيان تُستخدم مواد قانونية تتعارض مع النهج الديمقراطي لغرض تكميم الأفواه». وتطرق الوشّاح إلى ما تعرض له ناشطو الحركة الاحتجاجية ومتظاهرو تشرين، إذ أُلقي القبض على المئات منهم وفق المادة 197 التي تصل عقوبتها إلى الإعدام والسجن المؤبد. ويجد الوشّاح، الذي لا يزال يتعرض لملاحقات أمنية، أنه «لا وجود لحرية التعبير ولا لحقوق للإنسان في الراهن العراقي»، لافتاً إلى ما حصل من تصفيات جسدية بحق الصحفيين والناشطين والمدونين، وإلى فقدان وتغييب المئات من شباب العراق على يد ميليشيات الدولة العميقة والأحزاب التي تدير العملية السياسية بأذرع مسلحة. وفي السياق نفسه يرى الناشط السياسي الدكتور محمد عفلوك أن «انتهاكات حقوق الإنسان لا تقتصر على ضحايا قمع التظاهرات السلمية، إذ استشهد نحو 800 متظاهر وجُرح أكثر من 30 ألف آخر، وإنما تتمدد لتشمل قطاعات مجتمعية أخرى»، مبيناً أن «الحياة اليومية في العراق تشهد، وبصورة يومية، مختلف أنواع القتل، منها الممنهجة ومنها الناجمة عن الإهمال والتقصير الحكومي».
وبيّن أن «عدم الحد من النزاعات العشائرية والدكة العشائرية، التي باتت تزهق المئات من أرواح المواطنين سنوياً وتتسبب بتهجير كثير من أبناء العشائر تحت مصطلح (الجلوة)، يمثل بحد ذاته انتهاكاً لبنود حقوق الإنسان التي تلزم السلطة بتأمين سلامة المواطنين وحمايتهم من المخاطر»، واصفاً فرض شروط «الجلوة» وترحيل عشائر كاملة وليس الجاني فحسب بأنه تهجير قسري محمي بتقاليد عشائرية متخلفة تتردد الجهات الحكومية في التدخل للحد منها. وتطرق عفلوك إلى ما يحصل من جرائم تحت عنوان غسل العار أو جرائم الشرف من دون أن تتدخل الدوائر المعنية لحماية الضحية والحد من هذه المظاهر، التي تُرتكب وتُصنف أحياناً على أنها حالات انتحار أو تُقيد كحوادث عرضية، وذلك وسط تواطؤ حكومي أو مجتمعي في بعض الأحيان. وأضاف: «والأمر ينطبق كذلك على الإخفاق الحكومي في الحد من ارتفاع معدلات الحوادث المرورية الناجمة عن التلكؤ في صيانة وتأهيل ومراقبة الطرق وتنظيم الحركة المرورية»، مشيراً إلى أن «الحوادث المرورية لا تزال تحصد عشرات الأرواح في المحافظات العراقية». وحذر عفلوك من مخاطر النهج الحكومي في تكريس انتهاكات حقوق الإنسان وتكميم الأفواه، مشيراً إلى ما يحصل من ملاحقات لأصحاب الرأي والأصوات المؤثرة والناشطين المخالفين لنهج السلطة، واصفاً ذلك بـ«البروتوكول الأمني – السياسي» الذي يحول دون تعبير صاحب الرأي المعارض عن رأيه من دون ملاحقات أمنية. ويجد أن «سياسة قمع الحريات وتكميم الأفواه باتت موروثاً قمعياً تنتهجه الحكومات المتعاقبة»، مستذكراً ما حصل للعديد من الناشطين والمتظاهرين الذين جرى قمعهم أمام أنظار العالم من قبل جهات متعددة سواء بمشاركة الأجهزة الأمنية أو عبر التواطؤ مع بعض الفصائل والمليشيات المسلحة، واصفاً المطالبة بمحاسبة الجهات المتورطة بقمع التظاهرات بأنها باتت عقيمة بسبب تجاهل الحكومات للمطالبات المذكورة وحرصها على حماية الجناة والتسويف في التحقيق الحاسم بتلك القضايا.
وبالمقابل يرى مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في ذي قار كريم جبار الغزي أن «مكتب المفوضية يتابع كل الملفات المتعلقة بحقوق الإنسان في المحافظة»، مشيراً في حديث لـ«المدى» إلى متابعة أوضاع المعتقلين وقضاياهم في الدوائر الأمنية بصورة دورية، ومن بينها مديرية مكافحة الإرهاب في ذي قار، لافتاً إلى أنه تسلّم منصب إدارة المكتب ولم يتلقَّ أي شكوى تتعلق بانتهاك حقوق المتظاهرين. وعن مدى متابعة قضايا ضحايا قمع التظاهرات ومحاسبة المتورطين بقمعهم قال الغزي إن «مكتب حقوق الإنسان يحرص على متابعة أي شكوى ترده في هذا المجال سواء في المحاكم المختصة أو الدوائر المعنية»، معرباً عن قلقه من عدم حسم القضايا السابقة الخاصة بضحايا تظاهرات تشرين. ونوّه إلى فتح ملف خاص بالعدالة الجنائية في مكتب المفوضية لمتابعة القضايا المذكورة، مبيناً أن «مكتب المفوضية في المحافظة ليس جهة تنفيذية أو صاحب قرار في محاسبة الجناة، وإنما يرفع تقارير دورية حول ما يتعلق بواقع حقوق الإنسان إلى الجهات العليا، وهي بدورها تخاطب الجهات صاحبة القرار بهذا الصدد».
وفي السياق ذاته أعرب مدونون وناشطون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان يوم (5 كانون الأول 2024) عن قلقهم إزاء ما تعرض له الناشط في تظاهرات الناصرية مرتضى البدري من تعذيب عقب اعتقاله من قبل إحدى الجهات الأمنية في ذي قار، إذ ظهر البدري في مقطع فيديو متداول في مواقع التواصل الاجتماعي وهو بجسد مرتعش لا يسيطر فيه على حركة أطرافه العليا والسفلى، مع تعليق صوتي من أحد الأشخاص يشير إلى تعرضه للتعذيب. ويحتفل العالم سنوياً بيوم حقوق الإنسان لإحياء ذكرى واحد من أكثر التعهدات العالمية ريادة، وهو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ تكرّس هذه الوثيقة التاريخية الحقوق غير القابلة للتصرف التي يحق لكل فرد أن يتمتع بها بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو الميلاد أو أي صفة أخرى.










