متابعة / المدى
بعد ما يقرب من خمسة عشر عامًا على سقوط نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، تعود تونس إلى واجهة الجدل الحقوقي والسياسي، وسط اتهامات متزايدة للرئيس قيس سعيّد بـ«تقويض التحول الديمقراطي»، عبر سجن المعارضين، وتوسيع دائرة الملاحقات القضائية، والتضييق على حرية التعبير والإعلام، في وقت تشهد فيه البلاد احتجاجات شعبية ومواجهات أمنية متفرقة.
وتشير منظمات غير حكومية ومحللون سياسيون إلى أن المسار الذي اتخذته السلطة منذ 25 تموز 2021، تاريخ إعلان الرئيس قيس سعيّد «التدابير الاستثنائية»، أدى عمليًا إلى تركيز غير مسبوق للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيد الرئاسة، ما انعكس بشكل مباشر على وضع الحقوق والحريات في البلاد التي كانت تُعد النموذج الأبرز لما سُمّي بـ«الربيع العربي».
ويرى الباحث في مركز «كارنيغي الشرق الأوسط»، حمزة المؤدب، المحكوم غيابيًا بالسجن 33 عامًا في قضية «التآمر على أمن الدولة»، أن تونس انتقلت «من ديمقراطية مختلة إلى نظام تسلطي مختل بالقدر نفسه»، معتبرًا أن الأزمة لم تعد ظرفية، بل باتت بنيوية في طبيعة الحكم.
أحكام ثقيلة
في أواخر تشرين الثاني الماضي، صادقت محكمة استئناف تونسية على أحكام بالسجن لمدد طويلة بحق نحو أربعين شخصًا، بتهم تتعلق بـ«التآمر على أمن الدولة»، شملت معارضين سياسيين بارزين، يؤكدون أن القضية «فارغة ومسيّسة». وأعقب صدور الأحكام توقيف ثلاثة مدانين كانوا يحاكمون في حالة سراح، من بينهم المعارض المخضرم أحمد نجيب الشابي، البالغ 81 عامًا.
ونددت هيفاء الشابي، ابنة أحمد نجيب الشابي، بالحكم الصادر بحق والدها، والذي خُفّض في الاستئناف إلى 12 عامًا بعد أن كان 18 عامًا في الطور الابتدائي، معتبرة أنه «يرقى إلى حكم بالإعدام». كما أعلن كل من المحامي العياشي الهمامي، والشاعرة شيماء عيسى، دخولهما في إضراب عن الطعام احتجاجًا على الأحكام.
وفي مقابل اتهامات المعارضة للرئيس قيس سعيّد باستخدام القضاء لتصفية خصومه، يكرر الرئيس تأكيده أنه لا يتدخل في شؤون السلطة القضائية، رغم وصفه في مناسبات عدة معارضين مسجونين ونشطاء موقوفين بأنهم «إرهابيون» و«خونة».
إغلاق المجال السياسي
يؤكد مراقبون أن غالبية قيادات المعارضة التونسية، من مختلف الاتجاهات السياسية، باتوا إما في السجون أو في المنفى. ويبرز من بينهم رئيس حركة «النهضة» الإسلامية راشد الغنوشي، البالغ 84 عامًا، والمحكوم بعدة أحكام سجن، أحدها لمدة 22 عامًا، بعد عودته من المنفى إثر سقوط نظام بن علي عام 2011.
وفي سياق متصل، أصدرت محكمة تونسية حكمًا بالسجن 12 عامًا بحق رئيسة «الحزب الدستوري الحر» عبير موسي، بتهمة «تدبير اعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة». كما نددت نقابة الصحافيين التونسيين بما وصفته «موجة غير مسبوقة من القمع والتضييق على حرية الصحافة والتعبير»، شملت تعليق عمل وسائل إعلام مستقلة بدعوى ارتكاب مخالفات إدارية.
ويعيد محللون هذا المسار إلى سلسلة قرارات اتخذها الرئيس سعيّد منذ 2021، شملت حل البرلمان، وتعليق العمل بالدستور، واعتماد دستور جديد عبر استفتاء، إضافة إلى تفكيك وتهميش هيئات مستقلة، من بينها المجلس الأعلى للقضاء، ما أدى عمليًا إلى «غلق قوس» التجربة الديمقراطية التي انطلقت بعد 2011.
شرعية انتخابية
فاز قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسية عام 2019 بأكثر من 70 في المائة من الأصوات، مستفيدًا من موجة سخط شعبي على الأحزاب التقليدية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة. وعندما أعلن قراراته الاستثنائية في صيف 2021، خرج آلاف التونسيين إلى الشوارع مؤيدين خطواته، غير أن هذا الدعم تراجع مع اتساع دائرة القمع واستمرار الأزمة الاقتصادية.
وفي عام 2024، أُعيد انتخاب سعيّد بنسبة تجاوزت 90 في المائة، لكن بنسبة مشاركة لم تتجاوز 30 في المائة، ما أثار تساؤلات واسعة حول مستوى الشرعية الشعبية. ويقول المؤدب في هذا السياق إن «الشخص الذي كان يُفترض أن يقدم الحلول فشل»، وإن المشاكل السياسية والاقتصادية «تفاقمت بدل أن تنحسر».
قمع انتقائي
ورغم الإفراج مؤخرًا عن المحامية والإعلامية سنية الدهماني، التي أُدينت بموجب «المرسوم 54» المتعلق بنشر المعلومات الكاذبة، وعن مصطفى الجمالي، مؤسس المجلس التونسي للاجئين، إلا أن مراقبين يرون في هذه الخطوات «انفراجًا شكليًا» لا يعكس تغييرًا حقيقيًا في النهج العام.
ويصف حمزة المؤدب هذه المرحلة بأنها انتقال إلى «قمع انتقائي»، تُركز فيه السلطة على القضايا التي تستهدف المعارضة السياسية بشكل مباشر، مع تخفيف الضغط في ملفات أخرى لإعادة توزيع الجهد الأمني والقضائي.
وفي ظل انقسام المعارضة وضعف قدرتها على التعبئة الشعبية الواسعة، تتواصل الدعوات إلى توحيد الصفوف. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة مظاهرات متكررة في العاصمة ومدن أخرى، للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف التضييق على الحريات.
صدامات في القيروان
على الصعيد الأمني، اندلعت مواجهات لليلة الثانية على التوالي في مدينة القيروان وسط البلاد، بين الشرطة وشبان غاضبين، عقب وفاة رجل بعد مطاردة أمنية، قالت عائلته إنه تعرّض خلالها للضرب قبل نقله إلى المستشفى، ثم توفي لاحقًا متأثرًا بنزيف في الرأس.
وتزامنت هذه الصدامات مع مظاهرات في العاصمة تونس، شارك فيها مئات المحتجين للأسبوع الرابع على التوالي، استجابة لدعوات جمعيات حقوقية وأحزاب معارضة، «دفاعًا عن الحريات واحتجاجًا على سياسات» الرئيس قيس سعيّد.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تجمع تقارير حقوقية وتحليلات سياسية على أن تونس تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ 2011، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق طويل الأمد نحو حكم تسلطي، في مقابل معارضة تواجه تحديات كبرى في استعادة الشارع وفرض توازن سياسي جديد.










