TOP

جريدة المدى > عام > أنشودة المقهى الحزين

أنشودة المقهى الحزين

نشر في: 22 ديسمبر, 2025: 12:01 ص

رنيم العامري
رواية (أنشودة المقهى الحزين) لكاتبتها (كارسن ماكالرز) الصادرة عن دار مسكلياني بترجمة علي المجنوني..هذه رواية يُمكن للقارئ أن يقرأها في ليلة يجافيه فيها النوم، كما حدث معي، إنها حكاية عن الوحدة والحب غير المتبادل. يحكي قصتها راوٍ يأخذنا معه إلى بلدة عادية لا يكاد يحدث فيها شيء في جنوب أمريكا، يصفها بـأنها «بلدة كئيبة، ليس فيها كثيرٌ مما يُرى. بلدة معزولة وحزينة وتشبه مكانًا قصيًّا مغتربًا عن سائر الأماكن في العالم»، ليس فيها سوى «شارع رئيس بائس لا يتعدى طوله مئة ياردة». الشتاء فيها قصير وشديد البرودة، والصيف أبيض متوهج حارق. كل شيء في هذه البلدة ساكن وخامل حتى سكّانها، ووسط هذا السكون تظهر أطلال مقهى مهجور يطل من نافذته الوحيدة وجه مغموم.
المقهى لم يكن في البدء مقهى، بل كان متجرًا صغيرًا لبيع السلع الضرورية لأهل البلدة، تملكه الآنسة أميليا، التي لم تكن دائمًا شبحًا يطل من النافذة بوجه «يشبه تلك الوجوه البشعة المظلمة التي تُرى في الأحلام»، فقد كانت ذات يوم امرأة غنية وصلبة ومستقلة لم تعتمد على أي رجل في حياتها، بملامح رجولية وطول فارع وعينين حولاوين وشعر مجزوز. تمضي أيامها وحيدة في العمل من الفجر إلى غروب الشمس، إلى أن أتى ذات يومٍ ابن الخالة لايمن، ذلك الأحدب القصير، وعندها تغيّرت الآنسة أميليا، من امرأة ممرورة ومتجهمة ترتدي الأوفرول وحذاء مطاطيًا، إلى امرأة حنون، مبتسمة وربما عاشقة، ترتدي فستانًا أحمر، وحينها يتحوّل المتجر إلى مقهى صغير، تُديره الآنسة أميليا مع ابن الخالة لايمن، يستضيف المقهى أهالي البلدة ويُقدّم فيه الطعام والرفقة، كان بالفعل المكان الوحيد المضيء في تلك البلدة الحارّة المظلمة المنسية.
ولكن لنفهم أيضًا سبب أهمية المقهى لأهالي البلدة فلا بدّ أن نعرف أن للأمر علاقة بالكبرياء، على حدّ قول الراوية، ولنفهم هذا الكبرياء علينا أن نتذكّر «رخص الحياة الإنسانية». فخارج المقهى، تكون الحياة عراكًا مضنيًا قاتمًا من أجل الحصول على ما يسدّ الرمق، كل الأشياء المطلوبة للعيش لها ثمن، لكن حياة الإنسان تبدو بلا قيمة، أما في المقهى، فهناك حسّ بالكبرياء، فليس الزبون مجبرًا على شراء الطعام أو الشراب بثمن لا يستطيع تحمّله، فهناك مشروبات يمكن شراءها بسنت واحد فقط، ما يتيح له الجلوس بفخر إلى إحدى الطاولات.
لكن الأيام لم تمضِ هادئة وديعة، فبعد مرور سنوات، يعود إلى الواجهة شخص من الماضي (مارفن ميسي) زوج أميليا. نعم، فقد كانت الآنسة أميليا متزوجة، وأمضت بصحبة زوجها عشرة أيام فقط قبل أن يختفي الزوج، ولا يزال زواجها القصير العجيب حدثًا تتذكّره البلدة. وبعودة الزوج يحدث تحالف غريب من نوعه بين لايمن ومارفن، لا يُعرَف سببه، ينقلب بهذا التحالف كل شيء، فيغادر السلام عالم أميليا، ويحلّ النحس والخراب، وتفقد إرادتها الصلبة وتصبح للمرة الأولى امرأة مترددة، أما نحن فيما نقرأ ربما يساورنا شعور بترقّب وقوع حدث مهول حتمي ستكون بطلته الآنسة أميليا.
كقارئ ربما ستخرج من هذه الرواية وبذهنك أسئلة كثيرة كلّها تبدأ بـ"لماذا"، الكاتبة لا تبرّر شخصياتها ولا بأدنى قدر، وتتركنا كقراء مع أسئلتنا. لكنها مع ذلك تُلمّح إلى شيء، وتسمّي هذا الشيء بـ"الحُب"، الذي تكتب عنه فصلًا من صفحتين ونصف الصفحة، فهناك المحبّ وهناك المحبوب، المحب «يشعر في روحه أن حبه شيء فرديّ. إنه يهتدي إلى معرفة وحدة جديدة وغريبة وهذه المعرفة أصل مكابدته. إذن ليس هناك سوى شيء واحد يفعله المحب. يتعيّن عليه أن يسكن حبه في جوفه ما استطاع، يتعيّن عليه أن يخلق لنفسه عالمًا داخليًا جديدًا كليًّا، عالمًا حادًّا وغريبًا ومكتملًا في ذاته». والمحبوب ليس إلّا محفّزًا لكل الحب المخزون الموجود داخل المحب «أغرب الناس قد يكون باعثًا على الحب محفزًا له...ولهذا فإن قيمة أي حب وطبيعته يحددهما المحب وحده». والمحب يتوق إلى أي علاقة ممكنة مع المحبوب وإن كانت لن تجلب له سوى الألم، وهنا فقط سنفهم أن أميليا أحبّت لايمن.
أما خاتمة الرواية فتأتي على هيئة مشهد سينمائي، تكاد تراه وتسمعه، مشهد يبدو منفصلًا عن الرواية لكنه من صميم روح الجنوب الأمريكي. هناك، في طريق وعر خارج البلدة، يقف اثنا عشر رجلًا مكبّلين عند الكواحل، في صفٍ واحد، وكل واحد منهم يرفع معوله ويضرب الأرض تحت شمس الظهيرة التي لا ترحم، وهم يغنون بصوتٍ واحد يشقّ الهواء، غناء يصل خافتًا إلى أسماع القارئ حتى بعد أن يغلق دفتي الكتاب.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

الروائي والصحفي يوثق الحيرة وأسئلة القمع والمنفى..موجات زهير الجزائري المرتدة

فاروق صبري: المسرح يعني الاحتجاج والتمرد وطرح التساؤلات الكبرى

الفنانة ساكار سليمان تعيد صياغة الجسد البشري

الرغبةُ حين تستيقظُ من الحِبر حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته

وجهة نظر : لماذا نكتب ونستعرض؟

مقالات ذات صلة

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب
عام

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب

ترجمة: عدوية الهلالي «أنا سعيد للغاية لأنها جائزة تحمل معنى خاصًا بالنسبة لي"، هكذا علّق الروائي إيمانويل كارير بعد منحه جائزة ميديسيس لعام 2025 عن روايته "كولخوز" أي "المزرعة الجماعية السوفيتية)، وهي ملحمة عائلية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram