TOP

جريدة المدى > عام > كريم السعدون.. شاعر اللون وصوت الإنسان في فضاء التشكيل

كريم السعدون.. شاعر اللون وصوت الإنسان في فضاء التشكيل

نشر في: 22 ديسمبر, 2025: 12:03 ص

اميرة ناجي
يقول الفنان العالمي فاسيلّي كاندينسكي: "اللون هو قوة تؤثر مباشرة في الروح."، وهذه المقولة تكشف جوهر التجربة التشكيلية التي يعتمدها كريم السعدون، إذ تتعامل أعماله مع اللون بوصفه طاقة وجدانية وروحية تتجاوز حدود الشكل لتصبح وسيلة للبوح الإنساني العميق، وهو ما يجعل لوحاته أقرب إلى لغة داخلية تتحدث إلى المتلقي دون وساطة.
حين يتحدث اللون بلسان الروح ويغدو الضوء ذاكرة للإنسان يطل علينا الفنان كريم السعدون كصوت بصري فريد استطاع أن يمنح اللوحة قدرة على النطق بما يعجز عنه الكلام هو ليس مجرد رسام يحترف الألوان والخطوط بل شاعر بصري يكتب قصيدته عبر الإيقاعات اللونية والفراغات الصامتة مانحا المشاهد فرصة الدخول في حوار مفتوح مع العمل الفني
إن المتأمل في أعمال الفنان كريم السعدون يلاحظ أن اللون عنده ليس وسيلة للتزيين أو لإضفاء الجمال الشكلي بل هو لغة قائمة بذاتها مشحونة بالرموز والدلالات قادرة على نقل الإحساس بالفرح والحزن بالانتظار والخذلان وبالحب والاغتراب ولعل سر تميزه يكمن في تلك القدرة على تطويع الألوان القوية الأحمر والأزرق والبني وتحويلها من مجرد مادة صبغية إلى طاقة وجدانية تضيء عتمة اللوحة وتفتح منافذ داخلية للمشاهد نحو فضاءات من التأمل والبوح البصري
يستند الفنان كريم السعدون في كثير من لوحاته إلى ثنائية الإنسان والظل أو الحضور والغياب حيث تتشكل الكتل البشرية بصياغات تجريدية أحيانا وتعبيرية في أحيان أخرى لكنها تظل مشحونة بطاقة رمزية عالية تضع المتلقي أمام مرايا بصرية متقابلة فنجد أنفسنا في مواجهة أسئلة عن الهوية والذاكرة والوجود إنه يرسم الإنسان لا كجسد بل كفكرة كأثر عابر في الذاكرة وكصدى يتردد في فضاء اللوحة مما يمنح أعماله بعدا تأمليا عميقا يجعلها أقرب إلى نصوص بصرية مفتوحة على احتمالات متعددة من القراءة
كما أن توظيفه للمساحات الفارغة يحمل معنى لا يقل أهمية عن العناصر المرسومة فالفراغ عنده ليس خواء بل صمت بليغ مسرح تنتشر فيه الألوان لتترك أثرا داخليا عميقا وبهذا التكوين يحقق السعدون توازنا فنيا بين الصخب البصري والهدوء الداخلي فيجعل المشاهد يعيش تجربة تتجاوز حدود الشكل لتصل إلى جوهر الفكرة
ومن السمات اللافتة في تجربته إدخال خامات وعناصر طباعية أو كتابات شبه ممسوحة وكأنها شذرات من ذاكرة بصرية أو شواهد على عابرية الزمن وهذه التقنية تضيف بعدا نصيا للوحة وتجعلها أقرب إلى وثيقة شعرية معلقة على جدار الروح حيث تتجاور الصورة مع الحرف في علاقة تتناغم فيها البنية البصرية مع البنية الفكرية فهو لا يرسم الأشياء كما يراها بل كما يشعر بها فيتحول اللون إلى نبض والخط إلى صوت داخلي يتكلم بلغات تتجاوز المحسوس والمألوف
إن تجربة كريم السعدون لا يمكن فصلها عن تحول الحس الجمالي في التشكيل العراقي المعاصر إذ يواصل الفنان مشروعه البصري متعاملا مع اللوحة ككائن حي يتنفس عبر الضوء والملمس والحركة الداخلية وبذلك يقترب من مفهوم اللوحة الذاكرة حيث تختزن الأشكال والألوان طبقات من الزمن الشخصي والجمعي وكأنها سيرة ذاتية للإنسان العراقي بلغة التكوين هذه الخصوصية جعلت من أعماله سجلا بصريا للوجدان الإنساني ومجالا مفتوحا للحوار بين الذات والمحيط
كما أن حضور البنية التجريدية في أعماله لا يعني الانفصال عن الواقع بل هو تجريد نابع من التجربة الإنسانية ذاتها يعبر عن الجوهر بدل المظهر وعن الفكرة بدل الحدث تتحول الخطوط إلى مسارات فكرية والألوان إلى حالات شعورية مما يمنح اللوحة استقلالها الجمالي ويؤكد نضوج رؤيته التشكيلية التي تنتمي إلى الحس الفلسفي أكثر من الانطباع البصري
ويُعد أسلوب الاختزال أحد أبرز مفاتيح القراءة الجمالية في أعمال كريم السعدون إذ يتعامل مع الشكل الإنساني أو العنصر البصري بوعي اختزالي يمنحه جوهره دون إفراط في التفاصيل فالمساحة البسيطة عنده تختزن عمقا بصريا هائلا والملمح الموحى به أكثر حضورا من الشكل المرسوم إن هذا الاقتصاد في التكوين يمنح اللوحة طاقة تعبيرية مضاعفة ويحررها من ثقل الزخرفة نحو صفاء الفكرة فتغدو كل لمسة لون بمثابة جملة بصرية مكثفة تتحدث ببلاغة الصمت هنا يتحول الاختزال إلى فلسفة فنية تقوم على التلميح لا التصريح وعلى الجوهر لا القشرة ليحقق الفنان توازنا دقيقا بين الغموض والوضوح وبين ما يُرى وما يُحس
يمكن القول إن الفنان كريم السعدون ينتمي إلى جيل من الفنانين الذين جعلوا من الفن التشكيلي وسيلة لمساءلة الواقع وكشف أعماق الإنسان دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية فلوحاته تترك الباب مفتوحا أمام التأويلات وتدعو المشاهد إلى أن يشارك في إنتاج المعنى وهنا يكمن سر جمالها وفرادتها
إلى جانب جماليات اللون يبرع الفنان كريم السعدون في بناء توازن بصري قائم على الحوار بين الضوء والظل وبين الكتل المتجاورة والمتباعدة هذا التوازن لا ينشأ من الصدفة بل من وعي عميق بتقنيات التكوين ومفردات اللوحة بحيث تتحول كل ضربة فرشاة إلى جزء من نسيج متكامل يرفض التفكك وهنا تبرز بصمته الخاصة التي تجعل لوحاته مميزة ومعرفة به حتى دون توقيع
وما يميزه أكثر هو قدرته على تحويل الألم إلى جمال والاغتراب إلى معنى عبر رؤية إنسانية شمولية تتجاوز الخصوصية المحلية نحو فضاء كوني واسع تبدو شخصياته وكأنها أطياف تبحث عن مكانها في العالم مزيج من الحلم والحنين من التلاشي والبعث في توليفة توازن بين الحس الدرامي والصفاء الجمالي
إن أعمال كريم السعدون تضعنا أمام تجربة بصرية ناضجة تتقاطع فيها الخبرة التقنية مع الحساسية الإنسانية العميقة فهو فنان يحترف الإصغاء إلى نبض اللون ثم يحوله إلى حكاية صامتة لا تنتهي حكاية تكتبها العيون وتقرأها الأرواح ومن هنا يحق لنا أن نصفه بأنه شاعر اللون وصوت الإنسان في فضاء التشكيل

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. شاكر السامر

    منذ 3 أسابيع

    لقد كنت شاهدا مواكبا للتطور الفني في تجربة الصديق التشكيلي المبدع "كريم سعدون"أثناء اقامتنا في اسطنبول لسنوات خلت بعد أن صقلها في مغتربه بالسويد من منبع عراقي اصيل آل على نفسه أن يكون صوت الإنسان الضائع المستلب الباحث عن الحرية والمستقبل من خلال أعماله.

ملحق منارات

الأكثر قراءة

الروائي والصحفي يوثق الحيرة وأسئلة القمع والمنفى..موجات زهير الجزائري المرتدة

فاروق صبري: المسرح يعني الاحتجاج والتمرد وطرح التساؤلات الكبرى

الفنانة ساكار سليمان تعيد صياغة الجسد البشري

الرغبةُ حين تستيقظُ من الحِبر حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته

وجهة نظر : لماذا نكتب ونستعرض؟

مقالات ذات صلة

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب
عام

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب

ترجمة: عدوية الهلالي «أنا سعيد للغاية لأنها جائزة تحمل معنى خاصًا بالنسبة لي"، هكذا علّق الروائي إيمانويل كارير بعد منحه جائزة ميديسيس لعام 2025 عن روايته "كولخوز" أي "المزرعة الجماعية السوفيتية)، وهي ملحمة عائلية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram