متابعة / المدى
بينما تهيمن ملفات الحرب والهدنة في قطاع غزة على الاهتمام الإقليمي والدولي، تتكشف في الضفة الغربية معركة أخرى أقل وضوحاً لكنها لا تقل خطورة على مستقبل السلام في المنطقة؛ فقد أعلنت إسرائيل مؤخراً عن إقامة 19 مستوطنة جديدة، ليصل عدد المستوطنات التي أقرت خلال ثلاث سنوات إلى 69 مستوطنة، وهو أعلى معدل توسع معلن منذ عقود.
هذه الخطوة ليست مجرد أرقام، بل هي إعادة رسم لخريطة الضفة الغربية السياسية والميدانية، تمتد من وسطها إلى شمالها ومحيط بيت لحم وغور الأردن وجنوب الخليل، وسط تحذيرات دولية من موجة تهجير قسري وعنف متزايد. وفي هذا السياق، يقدم الرئيس المشارك لتحالف حل الدولتين، سامر السنجلاوي، قراءة تحليلية دقيقة للوضع، موضحاً أن الضم القانوني لم يحدث بعد، وأن التوسع الاستيطاني على الرغم من ضخامته، يواجه تحديات حقيقية على الأرض قد تؤثر على جدوى مشروع المستوطنات وإمكانية تحقيق حل الدولتين مستقبلاً.
وأكد السنجلاوي، خلال حديث متلفز، أن أي حكومة إسرائيلية، مهما كانت متطرفة، لن تتمكن من القضاء على حل الدولتين، موضحاً أن الدعم الأميركي لهذا الحل ما زال قوياً، وأشار إلى أن الرئيس دونالد ترامب، على الرغم من مواقفه المؤيدة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بضم الجولان، لم يُقدِم على ضم الأراضي بشكل قانوني، مما يحافظ على إمكانية استمرار حل الدولتين.
ولفت السنجلاوي إلى أن 68 مستوطنة تم إقرارها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، من أصل 141 مستوطنة أقرت منذ عام 1967، أي ما يقارب 70 بالمئة من حجم الاستيطان التاريخي، مبيناً أن إصدار القرار من «المجلس الوزاري المصغر» يهدف إلى التكتم على التفاصيل، نظراً لطبيعة المجلس السرية وعدم الإعلان عن محاضر اجتماعاته.
ورغم هذا التوسع، لفت السنجلاوي إلى مؤشرات فشل المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، موضحاً أن الهجرة السلبية للمستوطنين من المناطق الجديدة إلى إسرائيل تشير إلى عدم قدرة المستوطنات على استقطاب السكان غير العقائديين، نتيجة الظروف الأمنية الصعبة، واعتبر أن هذا دليل على محدودية قدرة أي حكومة إسرائيلية على تحدي الإرادة الدولية والدعم السياسي العالمي لحل الدولتين، بما في ذلك المواقف الأميركية والعربية والمبادرات الدولية.
وفي سياق متصل، أشار السنجلاوي إلى أن ما يثير القلق فعلياً هو «الإرهاب اليهودي المنظم» في الضفة الغربية، المدعوم بشكل مباشر من الحكومة الإسرائيلية ووزير الأمن الداخلي، مبيناً أن الاعتداءات اليومية والممنهجة على المواطنين الفلسطينيين، خصوصاً في المستوطنات الجديدة، تؤكد وجود خطة ممنهجة للضغط والترهيب على السكان الفلسطينيين. وأكد أن هذه الاعتداءات لا تقتصر على الضرر المادي، بل تشمل تأثيراً نفسياً ومعنوياً بالغاً على الفلسطينيين، لافتاً إلى عمليات تهجير لمجتمعات بدوية فلسطينية كاملة من غور الأردن وبعض القرى المحيطة بالمستوطنات، وتقليص مساحات أراضي القرى، وعرقلة موسم قطاف الزيتون، وهو ما يعكس سياسة ممنهجة للتأثير في حياة الفلسطينيين اليومية.
وأبرز السنجلاوي أن المخاطر موجودة ويجب أن تحظى بإدانة دولية قوية، مع اتخاذ إجراءات دبلوماسية مشددة من جميع الأطراف ذات العلاقة، بما في ذلك الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية. ورغم محدودية الدور السياسي للسلطة الفلسطينية، فإن المؤشرات على فشل المشروع الاستيطاني تشير إلى أن إرادة المجتمع الدولي تبقى الضامن الرئيس لاستمرار فرص حل الدولتين.
وخلص السنجلاوي إلى أن المعطيات الميدانية والسياسية على الأرض، من هجرة سلبية للمستوطنين إلى الإرهاب اليهودي الممنهج، تؤكد أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، رغم توسعه الملموس، يواجه عوائق كبيرة أمام تحقيق أهدافه، محذراً من استمرار السياسات الإسرائيلية من دون مساءلة دولية فعالة، ومؤكداً ضرورة حماية الحقوق الفلسطينية وتوفير الأمن للفلسطينيين في الضفة الغربية كأولوية استراتيجية للحفاظ على إمكانية تحقيق حل الدولتين.










