د. فالح الحمـــراني
تمثل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، الصادرة في تشرين الثاني تحولاً جوهرياً عن السياسات السابقة لإدارتي ترامب وبايدن. فخلافاً للتركيز السابق على التنافس بين القوى العظمى، تتخذ الاستراتيجية الجديدة موقفاً أكثر مرونة إزاء الصين وروسيا، حيث تعترف بمناطق النفوذ وترفض التنافس الاستراتيجي طويل الأمد. *
ورغم ان الوثيقة تشير الى مواصلة واشنطن نهج السياسات المتعلقة بقضايا محورية مثل تايوان وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلا أن رؤيتها العالمية الأوسع تعكس توجه واشنطن للابتعاد عن التعاون في الشؤون العالمية الواسعة، التي كانت أساس السياسة الخارجية الأمريكية لفترة طويلة، وإعطاء الأولوية لنصف الكرة الغربي، وأمن الحدود، والتجارة، والإمكانات الاقتصادية المحلية.
وعلى هذا النحو، تُضفي هذه الاستراتيجية طابعاً رسمياً على سياسات كانت سائدة بالفعل إبان ولاية ترامب، وتطبق ليس كخطة عمل واعدة بل كمعتقد راسخ، يشكك بالدرجة الاولى بأهمية المساعدات الخارجية وبضرورة تشديد الضغط على الحلفاء لتحمل مسؤوليات دفاعية أكبر.
بالإضافة إلى ذلك، يطرح برنامج الأمن القومي لعام 2025 فهم أضيق للمصالح الوطنية، من خلال إعطاء الأولوية للتهديدات التي تستهدف أمن الولايات المتحدة وازدهارها، مع إهمال الالتزامات القائمة على القيم والتحالفات والمنافع العامة العالمية، مثل تعزيز الديمقراطية، والتعاون المناخي، وعدم الانتشار النووي.
فيما يتعلق بتداعيات وثيقة مجلس الأمن القومي لعام 2025 على الشرق الأوسط، لاحظ المحللون أن الوثيقة لم تأتِ على ذكر إسرائيل إلا ست مرات. ويفسر البعض ذلك على أنه دليل على تحول أوسع في أولويات واشنطن، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الخروج من حلقة "الحروب الأبدية" التي ارتبطت بالمنطقة، مما يقلل من أهمية الشرق الأوسط في حسابات سياستها الخارجية.
وحتى لو ظهر أن وثيقة مجلس الأمن القومي لعام 2025 ستكون المنطلق الثابت لتحركات الولايات المتحدة في السنوات القادمة، فإن إسرائيل ستبقى شريكًا مهمًا لواشنطن. ولكن استمرار الولايات المتحدة في تقليص وجودها الإقليمي، قد تدفع إسرائيل لأخذ مسؤولية أكبر على عاتقها في مواجهة التهديدات! المختلقة والوهمية، مما سيجعلها تتحرك باستقلالية استراتيجيًة أكثر عن الولايات المتحدة.
وللوهلة الأولى، تبدو وثيقة مجلس الأمن القومي لعام 2025 وكأنها ترسم نهجا مستدامًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أن التدقيق فيها يكشف عن عدد من التناقضات.
وصرح المحلل العسكري الروسي البارز والمتخصص في الدراسات الشرقية، البروفيسور في الجامعة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع الروسية تاخير غانييف: «يوجد تناقض ملموس بين البيانات، بخصوص استراتيجية الأمن القومي، التي تؤكد أولوية ‘منع سيطرة أي قوة معادية على الشرق الأوسط’، وبين الإعلان عن سحب القوات من المنطقة بهدف التركيز على الفرص التجارية والاقتصادية فيها». وأضاف: " اعتقد أن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 متفائلة لحد كبير، نظراً لاستمرار الأزمات في الشرق الأوسط».
وبحسب توضيح البروفيسور غانييف رغم إن الوثيقة تؤكد مواصلة استراتيجية التحول بعيداً عن الشرق الأوسط، التذي يعكس استمرارية السياسة الخارجية الأمريكية التي تعود إلى "توجه إدارة أوباما نحو آسيا"، إلا أن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 تتضمن عبارات «تكشف عملياً الرغبة في الابقاء على النفوذ الأمريكي أو حتى زيادته».
وبعد أن وصف " النزاع" باعتباره "الديناميكية الأكثر إشكالية" في الشرق الأوسط لفت المحلل العسكري الروسي إلى أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة، حددت إيران باعتبارها "القوة الرئيسية المزعزعة للاستقرار في المنطقة"، معربا عن رأيه بأن هذا يُبسّط الديناميكيات الإقليمية، وقد يُسهّل التدخل العسكري الأمريكي.
وتشير الوثيقة الى التحوّل الاستراتيجي المستمر للابتعاد عن الشرق الأوسط، لكنها تركز أيضًا على أهمية دول الخليج العربي في أجندة السياسة الخارجية لإدارة ترامب.
وأضاف غانييف أنه من خلال الاستمرار في استخدام خطاب عفا عليه الزمن يُصوّر إيران على أنها "التهديد الرئيسي"، "تُبرّر الاستراتيجية نشر القوات في مواقع متقدمة، وتوسيع التزامات الردع، والاستعداد لاستخدام القوة، وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع الهدف المُعلن المتمثل في خفض القوات". وتنصّ وثيقة الأمن القومي لعام 2025 أيضًا على أن إيران قد ضعفت بشكل كبير بفعل العدوان الإسرائيلي منذ 7 تشرين الأول 2023، وعملية ما وصفتها ب "مطرقة منتصف الليل" التي أطلقها الرئيس ترامب في حزيران 2025، والتي تزعم الولايات المتحدة وإسرائيل أنها قوّضت بشكل كبير البرنامج النووي الإيراني.
وبمثابة ردّ على هذا الادعاء، صرّح السفير الأمريكي السابق لدى قطر، باتريك ثيروس، بأن وثيقة الأمن تتضمن تناقض بين التقييم "الدقيق عمومًا" لضعف إيران، وبين استمرار تصوير الجمهورية الإسلامية كتهديد كبير لدول المنطقة.
وعلّق قائلاً: إن "تقرير مجلس الأمن القومي لعام 2025 ضعيف البنية"، واصفًا الوثيقة بأنها "مفككة" ولا تستوفي معايير "التنسيق والإعداد السليم". وفي حديثه عن "الهجمات الشرسة على أوروبا"، أوضح الدبلوماسي الأمريكي السابق شكوكه بالقول إن مجلس الأمن القومي مرتبط بالسياسة الداخلية الأمريكية و"أيديولوجية اليمين المتطرف" أكثر من أي شيء آخر. واعتبر بعض الخبراء أن من السذاجة تصوير إيران كدولة ضعيفة للغاية، مشيرين إلى مقال مستشار الأمن القومي آنذاك، جيك سوليفان، المنشور في مجلة "فورين أفيرز" بتاريخ 2 تشرين الأول 2023، والذي أكد فيه أنه "بينما لا يزال الشرق الأوسط يواجه تحديات مستمرة، إلا أن المنطقة أكثر هدوءُ مما كانت عليه منذ عقود».
وفي تعليقه على صياغات استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 فيما يتعلق بإيران، يرى تاخيرغانييف أنها "ساذجة" و"تعميمية"، مؤكدا أنها تعكس "عمق عدم فهم إيران". وبرأيه أن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 لا تقدر سعة نطاق المشكلات المرتبط بإيران، مما يخلق انطباعاً مضللاً بالاستقرار.
وأشار غوردون غراي، السفير الأمريكي السابق لدى تونس، إلى أن تأكيد وثيقة مجلس الأمن القومي لعام 2025 على أن ساحة الشرق الأوسط غدت أكثر هدوءً، يُذكّر بشكلٍ مُقلق بمقال سوليفان، الذي نُشر قبل خمسة أيام فقط من عملية طوفان الأقصى الذي قامت به حماس في تشرين الأول 2023. وأوضح قائلاً: " " ربما من الاحرى بمُعدي وثيقة مجلس الأمن القومي لعام 2025 تأجيل احتفالاتهم بالنصر إلى ما بعد انتهاء ولاية إدارة ترامب. فكما يُحذّر سفر الأمثال 16:18، الكبرياء يسبق السقوط».
على الرغم من أن الاستراتيجية تصوّر إيران كقوة مزعزعة للاستقرار، فإن هذا التصوير المبالغ فيه يهدد بإخفاء الأسباب المعقدة للنزاع المتواصل، وقد يبرّر الأعمال العسكرية التي تتعارض مع الهدف الأوسع المتمثل في الحد من التوسع المفرط للولايات المتحدة.
*استفادت المادة من تقارير في وسائل الاعلام الروسية.










