د. سهام يوسف
في ليلة احتفاء بقدوم عام جديد، وعلى ضفاف شط العرب في مدينة البصرة العريقة، تحول الفضاء العام إلى مسرح لوحشية مُنظمة. لم تكن حشوداً من الشبان، بل كانت قطعاناً من الذكور الهائجة، مصابة بما يشبه السعار الجمعي، تدفعها غرائز جامحة لافتراس أي جسد وحيد بلا حماية. لم يكن الخمر أو المخدر عذراً لتبرير الفعلة، فالكثيرون منهم كانوا في كامل وعيهم ، مما يطرح السؤال الجوهري: لماذا إذن غابت عقولهم وغابت إنسانيتهم؟
الإجابة لا تكمن في هؤلاء الأفراد وحدهم، بل هي مُتوزعة على كل ركن من أركان المنظومة الغائبة. دولة تترك الشوارع بلا رادع حقيقي، ومجتمع يتذرع بالأعراف المغلوطة ليبرر الصمت أو يلوم الضحية، وإعلام يستثمر الصدمة إثارةً قبل أن يطالب بالمحاسبة. لقد سقطت الفتاة تحت وطأة الاعتداء، ولكنها لم تسقط وحدها. معها سقطت كل المنظومات التي كان من المفترض أن تكون سنداً لها وحصناً للمجتمع.
كانت الحادثة اختباراً وجودياً لكل المنظومة الأمنية والمجتمعية والتعليمية والدينية ، التي يفترض أنها تحمي الكرامة وتضمن الأمان، واجتياز هذا الاختبار جاء فشلاً مدوياً. فشل كشف، مرة أخرى، هشاشة النظام القائم وعجزه المزمن عن حماية أبسط حقوق الإنسان: حقّه في أن يكون آمناً في وطنه، وحقه في أن تُصان كرامته لا أن تُداس بوحشية في وضح النهار.
الأمن الذي يفترض أن يكون رادعًا وحاميًا غاب في لحظة الخطر، ليظهر بعد فوات الأوان. الشوارع التي شهدت الجريمة كانت شاهدة على غياب الرادع الأساسي، والدولة التي يُفترض أن تحتكر وسائل الحماية وتحفظ سلامة المواطنين تحولت إلى وهم. الأجهزة الأمنية المنتشرة عادة في المواكب الرسمية والمناسبات الحزبية تغيبت عن موقع الجريمة أو عجزت عن التدخل الفعّال، المشكلة لم تكن في دورية متأخرة أو شرطي واحد، بل في منظومة أمنية مختلة تعيد ترتيب أولوياتها بحسب الولاءات والانتماءات الطائفية، لا بحسب حاجة المواطنين للأمن.
الإعلام الذي ينبغي أن يكون رقيبًا وناقلًا أمينًا للحدث تحول إلى غرفة عمليات للصدمة والعاطفة، ركّز على فظاعة الجريمة وردود الفعل الغاضبة لكنه تجنب السؤال الجوهري: من المسؤول عن انهيار المنظومة الأمنية؟ ما العلاقة بين الإهمال، الفساد الإداري، وتآكل سلطة القانون؟ غاب التحقيق الاستقصائي، وتحولت الحادثة إلى مادة إثارة مؤقتة تتلاشى مع ظهور خبر جديد. الإعلام الذي يتخلى عن دوره الرقابي يصبح جزءًا من الأزمة لا حلًا لها.
المعتدون لم يولدوا فجأة، لقد تربوا في مدارس وجامعات لم تعلمهم معنى الحدود بين الذات والآخر، منظومة تعليمية ركزت على الحفظ والتلقين وخلت من التربية على المواطنة والقيم الإنسانية المشتركة، مدارس لم تحتوي حصصًا كافية عن احترام الجسد، مفهوم الموافقة، المساواة بين الجنسين، أو إدارة الغضب والاختلاف، أنتجت هذه المنظومة جيلًا حاصلاً على شهادات لكنه يفتقر لأدوات التعامل الإنساني الراقي، والجريمة كانت امتحانًا صادقًا لنتاج هذه المنظومة، والنتيجة كانت كارثية.
ردود الفعل الدينية والاجتماعية كشفت مفارقة صارخة، انشغال هذه الخطابات بالمظاهر الشكلية بدل الجوهر، الغضب الانتقائي على حفلة غنائية بينما يتم التغاضي عن انتهاك جسدي عنيف بحق فتاة، كشف أزمة عميقة في المنظومة القيمية. القيم تحولت من حماية الإنسان وكرامته إلى رموز فارغة تُستخدم للهيمنة والسيطرة، الغيرة المعلنة ليست على الكرامة الإنسانية بل على مفاهيم مشوهة عن الملكية والشرف، فيما الجريمة الحقيقية تحدث أمام أعين الجميع.
الأمر الأكثر إهانة وفجورًا ليس الفعل نفسه، بل ازدواجية المنظومة في أولوياتها. في الوقت الذي تُركت فيه فتاة وحيدة ضحية العنف، خرج رجال الدين إلى الشوارع لمظاهرة ضد حفلة غنائية، يهتفون ضد الغناء ويعلنون الفضيلة، بينما الجريمة الحقيقية تحدث أمام أعينهم. لم يُحركهم الخطر على الفضاء العام، ولا التهديد لجسد وكرامة الإنسان، بل ما يهمهم هو الرموز، وما يزعجهم هو الصوت، وما يثير غضبهم هو الرقص والغناء. هذه ليست مجرد ازدواجية، بل كشف صارخ عن عقم أخلاقي كامل: ما يُمنع باسم الفضيلة يُترك للانتهاك باسم الصمت، وما يُحتج عليه من ترف يُعلَّم كأولوية، فيما الاعتداء على حياة الإنسان يُهمل.
المجتمع المدني بدوره وجد نفسه في موقف ضعيف يحاول رتق الفجوة الهائلة بين غياب الدولة وتخلي المؤسسات الرسمية وبين واقع مجتمعي تآكلت فيه القيم الحقيقية للتعاضد والرحمة، لكن الرادع الرمزي والعمل معًا غابا، القانون لا يُطبق بجدية، والعرف الاجتماعي انحاز إلى لوم الضحية وتبرير الوحشية، وخلت الساحة من أي قوة حقيقية تردع الجريمة قبل وقوعها.
حادثة البصرة ليست شأناً فرديًا ولا مجرد جريمة يُطالب بالقصاص لفاعليها فحسب، إنها صرخة مدوية تدل على مرض عضال في جسد الدولة التي تخلت عن دورها الأساسي، وفي النسيج الاجتماعي الذي سمح بتطبيع العنف ضد النساء، وفي الخطابات الدينية والسياسية والاجتماعية التي أصبحت مشغولة بالمظاهر عن جوهر الإنسان وكرامته.
الخروج من هذا الهاوية يتطلب أكثر من بيان إدانة أو محاكمة جنائية، رغم ضرورتهما. يتطلب مراجعة صادقة وجريئة لكل هذه المنظومات المنهارة، بدءًا من الاعتراف بأن الحماية ليست كلمة تُقال في الخطابات، بل مؤسسات فاعلة وقانون نافذ وعدالة ، واستمرارها بمراجعة الخطاب التربوي والديني ليكون خطاب إنسان يحترم الحياة والجسد والحرية، وانتهاءً بإعادة بناء عقد اجتماعي جديد يضع كرامة المواطن، رجلاً وامرأة، في صلب اهتمام الدولة والمجتمع.
سقطة البصرة مؤلمة لكنها قد تكون الضوء الكاشف الذي نحتاجه لرؤية الهوة التي نقف على حافتها، السقوط قد يكون بداية للنهوض، ولكن فقط إذا قررنا جميعًا، دولة ومجتمعًا، أن نرفع حجر الأساس من جديد، وأن الإنسان، كل إنسان، هو الغاية والهدف، وهو المعيار الذي تقاس به قيمة أي منظومة .











جميع التعليقات 1
سردار شرف
منذ 1 أسبوع
هشاشة وسقوط المنظومة الأمنية والمجتمعية والتعليمية والدينية ،