طالب عبد العزيز
لدى أيّ نظام حكم في العالم، ملكياً دستورياً أو جمهورياً.. لابدَّ من وجود هيئة استشارية عليا، أو مجلس حكماء، أو مجموعة رأي، غير منتمين الى حزب ما، يأمرون بما يجب أن يُصار اليه أمر السياسة، ولا يأتمرون بأمر أحد من أعضاء الحكومة، وظيفتهم المشورة أولاً، ووجوب الاخذ بها ثانياً، فهم يشيرون الى الصواب، ويؤشرون الخطأ، وكل ما من شأنه مصلحة البلاد، وحياة ومستقبل الناس. ضمن الآلية هذه يستتب الامن، وينجح الاقتصاد، وتعم المساواة، وتتطور البلاد ... الخ ترى أين نحن في العراق من هذه؟
منذ العام 2003 والى اليوم وأعداد المستشارين يفوق أعداد أعضاء الحكومة، ونعثر في كل مكتب لرئيس الوزراء ورئيس البرلمان ورئيس الجمهورية وفي كل مكتب وزير ومدير عام ربما على العشرات من هؤلاء الذين لم يتم اختيارهم على وفق مبدأ العقل الراجح، أو الخبرة الوظيفية؛ إنّما تم بموجب المنفعة والقرابة والصداقة والحزبية، حتى لتبدو فكرة الاستشارة وظيفةَ من ليس له وظيفة. هل يمكن أن ندرج قضية التحرش التي حدثت في البصرة ضمن الأخطاء التي وقعت فيها الحكومة، بسبب عدم وجود مستشارين في السلوك والأخلاق والآداب العامة؟ نعم. وبكل تأكيد، فرجال الحكومة يعملون تحت فكرة البصرة مدينة مقدسة، وهي مدينة الحشد والجهاديين الاستشهاديين، وما الى ذلك من صفات التقديس التي حجبت عنهم الصورة الحقيقية لما يمكن أن ينتج عن جيش المراهقين، الذين شوهوا بغفلتهم هذه صورة المدينة في الذهن الإنساني، وأتت على الجهد الحضري والديني المقام فيها، إذْ ليس هناك من فكَّر ملياً بالطاقة الجنسية التي تمور في الجسد المراهق، الذي لا تصدّه أو تحجبه التشريعات والأعراف والقوانين وامثولات التقديس عن الإقدام عن فعل كلِّ ما من شأنه تفريغ مكبوتاته، التي تتعاظم وتحتدم في الحشود الجماهيرية بخاصة.
نكاد نقطع أنْ ليس هناك من رئيس كبير في حكوماتنا سأل أحد مستشاريه في قضية كهذه! وكلهم يزين آلية الحكم، ويقدم الصورة الوردية لسيده، مُطمْئِنُهُ بأنَّ ما يحدث عابراً، ولا يستوقف أحداً، وفي مجمل الأحوال لدينا من القوة ما يكفي لمتابعة وسجن هؤلاء المراهقين!! بئس المشورة إذا كانت هكذا. الإدارة السيئة التي تترك الوقائع تحدث، ولا تنشغل بمراقبتها قبل وقوعها هي التي تنتج حوادث أمنية لا تقف عند التحرش ومضايقة المارة بالمشاجرات إنما تذهب الى الفوضى وإزهاق الأرواح. ستعظم تكاليف الحياة إذا لم يسأل صاحب المطعم عن البطاقة الصحية، ومشيّدُ البيت عن إجازة البناء، وسائقُ السيارة عن رخصة السَّوَق، وتاجرُ المواشي عن وجود حظيرته في المناطق السكنية، وحاملُ المسدس عن حقّه في حمل السلاح، وكذلك الحال مع مؤذن المسجد، وخطيب الجمعة، والصيدلي، وبائع البنزين، وصياد السمك، وصاحب الموكب، والمنشد في المجالس الحسينية، ومقيم الحفل الغنائي، وبائع الملابس المستعلمة، والقابلة المأذونة، التي لم يؤذن لها، والمضمد الصحي، ودكانة الحجامة، والشحاذ .. الخ وكل ذي مهنة وحرفة، ذلك لأنَّ جرثومة الفوضى وإزهاق الأرواح تبدأ من هناك.
حين يجدُ المراهقُ حريته كاملةً؛ غير منقوصة في نصب خيمة على الرصيف وجعل مكبر الصوت بأعلى ما يمكنه سيعتقد بأنَّه يملك الحق في القيام بشيء مماثل، وغير مماثل فيما بعد، وحين يجدُ الصبيُّ حمايته في العشيرة من أيِّ فعل شائن يقوم به، سيعتقد بأنَّ حمل البندقية شرفاً وعظمةً للعشيرة، وحين يجدُ حريته في السير مفرداً الى كربلاء، وضرب ظهره بالسلاسل، أو شج رأسه بالسيف، غير ممنوع من ذلك، مسوقاً بعواطفه، غير المقننة سيجد أنَّ كلَّ ما يفعله إنّما يندرج تحت المسميات هذه، وهي مشرّعة ووهبت له، عندها سيكون التحرش قضية بسيطة، لأنه سيجد من يبرر الفعل هذا له: أبٌ جاهل أو منحرف، رجل دين منافق، شيخ قبيلة سيء، ومجتمع ذكوريٌّ، يشرعن، ويصنع (أبطالاً) ينقل أخباره بوصفها شجاعة.
بناء الانسان أقلَّ تكلفةً من بناء المدن. نعم، هناك م دن جميلة، وغاية في الجمال، انفقت عليها مليارات الدولارت، لكنها لم تشرع قانونا لبناء انسانها، وبأقل التكلفات. إذا كانت حكوماتنا تعتقد بأنَّ الخطباء وأئمة المساجد وشيوخ العشائر هم من يصلحون شأن المجتمع فهي واهمةٌ غافلة، مع أننا نحترم جهد الكثير منهم، إلا أنَّ بناء الانسان علمٌ محض، أكبر من مقولة الاخلاق والنصح وأمثولات الارشاد البطريراكية التي عفا عليها الزمن، علم محضٌ، وفكرٌ مختلف، يصاحب تطبيقه قانونٌ صارمٌ. ترى أين نحن من القانون العراقي الذي حدد عقوبة التحرش في المادة 402 بالحبس ستة اشهر والغرامة التي لا تزيد عن مائة دينار . وهذا نص المادة:" ب – من تعرض لانثى في محل عام باقوال او افعال او اشارات على وجه يخدش حياءها. 2 – وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر والغرامة التي لا تزيد على مائة دينار اذا عاد الجاني إلى ارتكاب جريمة اخرى من نفس نوع الجريمة التي حكم من أجلها خلال سنة من تاريخ الحكم السابق" أين الادعاء العام من حقوق الشعب ومئات المستشارين من هذه؟










جميع التعليقات 1
كاظم مصطفى
منذ 1 أسبوع
في العهد الملكي وتحت الوصايا البريطانيه كان هناك مستشار بريطاني لكل وزير عراقي يراقب اعمال الوزير ومساعديه ويمنع عنهم اي عمل اداري واخلاقي سئ ذهب المستشار ووقع الوزير في ايدي عشيرته واهله وخربت الاداره بتعيين من هب ودب .