خضير الزيدي
واحدة من سمات علي طالب في الفن سواء الرسم او النحت انه منحاز للوقوف الدائم بين (التشخيص والتجريد) حتى وان اتضحت تجربته بشكل ملفت او مقلق الا ان الحقيقة انه لم يتخل عن جوهر الترابط بين الاثنين وبقدر ما يعطينا في عمله مساحة تأمل الا ان الطابع الدرامي في أعماله ذات قدرة لتوضيح مسار قواه التعبيرية وهذا ما يوضح لنا نبرته وتميزه ويعكس تكوينات لوحاته التي تبدو محيرة او أنها تنتقل بين فعل تأملي خالص وقلق وجودي ووفقا لهكذا رؤية سيكون من دوافعنا الحقيقية اننا نعي بان تجربة فنية خالصة امتدت لسنوات ستحمل طابعا مختلفا قياسا مع اقرانه من الفنانين فهي مشبعة بنقطة تحول اتت من تغيرات جذرية سواء كانت سياسية او معرفية او اجتماعية او في نفس الفنان مما جعلنا نقف امام لعبته المقصودة في التخفي والاعلان عن جوهر تعبيرية اي من تكويناته الاخيرة ومنها اقصاء الرأس عن الجسد والوصول به الى اعلى مراتب الممارسة الذهنية
مثل الرأس الادمي عند الفنان، نقطة تحول وأدرك فيما بعد ان قوة المنجز في اشتغالاته النحتية والرسم ستذهب لمفارقة تستوعب ما تعلنه قوانين التداول البصري حيث نتابع امام انظارنا كتلة كبيرة من رأس آدمي في الشكل والوضع العام ( رأس يتأمل ) لكن ثمة ما يغطي العينين وكأنه ملازمة خوف او قدر لإغماضهما وهذا الغطاء او الحاجز الموضوع ليس لمنع الرؤية ولن يكون قناعا يتخيل من خلاله المرء ما يستعيره من تقديس او تدنيس انها متوالية خوف وقلق مما يحيطنا فالفنان عبر منحوتات الرأس اختصر لنا (طاقة العمى) وعاكس قدرة المتلقي في المشاركة بكل لحظة تأمل لعمله وكأنه يسحبنا لمنظومة اقصاء لها اسبابها في القهر والتراجيدية وهي اقرب لتكون حكاية او مشهدا سينمائيا يدون تحولات المفارقة بين الجسد والرأس ايضا يمكن لنا ان نشير الى ان الفنان يؤسس لمبدأ الاخذ بالحكمة على حساب الشهوة حينما بيّن الرأس الادمي واقصى ما تبقى من الجسد هنا سنفهم ان المقام الاول هو بيان الحكمة وطرح الفكر في الذهن وتقييم الهدف على حساب الشهوة وكانه يريد ان يبيّن قيمة الحدس في منتج يلفت الانظار اليه وفق اكتشاف اهمية الرأس حتى وان كانت كتلة من الغطاء تلتف على العين وتشكل حدثا مبنيا على معنى معين او سيسحبنا الى بقع من الوان خضراء بشكلها الطبيعي اعتمادا على ( وجود كثافة زرع اخضر ) لينبت فوق الكتلة الحجرية على رأس وضع في مربع ارضي تحيطه النباتات وهو تعبير عن ثنائية الموت / الحياة والاحتفاظ بنظام الطبيعة والحياة ان الفنان هنا يضعنا امام خبرة مفاهيمية تكتمل في قوة الخطاب التعبيري ونزعة اكتمالها تبدو وفق اسس بنائية وليست وظائفية مع ان العمل تتضح فيه حقائق كثيرة وبعيد كل البعد عن الوهم والمثالية غير المرجوة...هذه الافكار في أعمال النحت والرسم والتي بدورها تعمل على اقصاء الرأس عن الجسد سواء المرأة او الرجل لا تهب خطاب العمل خيارات غير توثيق لحظات الألم وربما حتى وجداننا المهدد بالمحو والزوال ان طريقة علي طالب مع العمل الفني جماليا وتعبيريا انما لتكريس وجودنا ووضعها في حقب دائمة مع الزمن فهو يعي ان الانسان محور وجود وليس زمنا عابرا ووجودا ماديا قابلا للعدم فكرة الاقصاء في الحقيقة هي اشكالية فكر ووجود وعلينا النظر الى ما وراءها من مثل ومعاني وحتى نزعة نخفي فيها ترويض هواجسنا من وجود الاخر وغيابه وبموازاة كل ذلك ثمة تداخل في المعالجات والاشتغال مع اي شكل يريد له ان يكون تكوينا مليئا بطاقة الرمز ،اشكاله في الرسم تشتغل على تأسيس فكرة الانتظام البنائي بمعنى اي تشخيص او تجريد يبنى عليه وضع اللوحة سيكون محاولة لاستعادة رؤية داخل منظومة وخيال الفنان ..هنا تكمن مهارة علي طالب بانه فنان يحاكي ما يتمثّل في تشخيص اعماله بعيدا عن الزخرفة والتزويق ليكون عمله تمثيلا حيا على ما يحتاجه المتلقي وهو يقترب من مستويات وتراكيب ذلك العمل.
فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب

نشر في: 5 يناير, 2026: 12:03 ص









