ستار كاووش
ما أن خرجتُ من ساحة السوق القديم بمدينة كولن، حتى إنكشف أمامي الرصيف الواسع الممتد بمحاذاة نهر الراين. كان مكاناً مثالياً للتجول حيث تتقاطع خطوات الناس بهدوء ويجلس بعض العشاق هنا وهناك على الأرائك الخشبية، فيما يرتفع جسر (هوهنزولرن) الكبير الذي يحمل أقفال المُحبين ويمد ذراعه نحو الضفة الأخرى ليقرب الناس من بعضهم ويجمع جانبي المدينة بألفة قلَّ مثيلها. على الجهة الغربية إصطفت مجموعة من البيوت الملونة كأنها مجموعة من الفتيات تتمرأى بثيابها الملونة على حافة النهر، وخلف هذه البيوت إنتصبت كنيسة القديس سانت مارتن ببرجها ذو السطع المربع الذي ينتهي بشكل مدبب، إضافة الى أربعة أبراج صغيرة في الزوايا. سلكتُ طريقى وسط بعض النافورات الحجريّة والمقاهي، حتى وجدت نفسي أمام البناء الهائل للكنيسة. حَرَّكتُ الباب الضخم بكلتا يديَّ، لكن لم تنجح محاولاتي المتكررة، حيث بدت الكنيسة مغلقة. وقفتُ أمام البوابة بضع دقائق وفكرت بالعودة الى مركز المدينة، لكن ما أن إلتَفَتُّ فجأة نحو الجانب رأيتُ يافطة صغيرة قرب الجدار، إقتربتُ منها فإذا بها تُشير الى المدخل الجانبي المؤقت الكنيسة، والذي يُستعمل الآن بسبب بعض التصليحات. وهكذا عطفتُ نحو الجانب الأيمن لأدفع باباً صغيراً قادني إلى الداخل. وهناك بدت الكنيسة خالية من الناس، ماعدا امرأة مسنة في الجهة البعيدة المقابلة، تجلس أمام طاولة وتتصفح بعض المطبوعات. كانت ارضية الموزائيك هي أول ما لفت انتباهي، حيث إفترشت عليها نقوشاً ورسومات تعود لعدة قرون مضت. أكملتُ طريقي بمحاذاة الجدران العالية التي إنتشرت عليها مجموعة من الأيقونات واللوحات القديمة، فيما خيمت في الأجزاء العلوية للجدران مجموعة من النوافذ الكبيرة التي توزعت عليها الرسومات المنفذة بطريقة الرسم على الزجاج. وقد أخذت مجموعة من التماثيل الملونة أمكانها في كُوىً صغيرة. كل شيء هاديء هنا ويميل الى الصمت المهيب، فيما الشموع تأخذ دورها في منح المكان نوعاً من القدسية الممزوجة بالحكمة.
خطواتي كانت بطيئة وتتلائم مع المكان، وحين صرت بمحاذاة المرأة التي توزعت أمامها الكثير من الكتب والمطبوعات، حييتها بهدوء وسألتها عن عمر الكنيسة وبعض اللوحات المعلقة هنا وهناك. فقالت انها قديمة جداً حيث يعود بناءها الى القرنين السابع والتاسع الميلادي، وقد أضيف لها البرج في فترة لاحقة. ولمعرفة المزيد من عمر هذا المكان، أخبرتني المرأة بأنه يمكنني النزول الى القبو الكبير الذي يقبع تحت البناء، حيث يمكنني رؤية الأساس الذي شُيدت عليه الكنيسة. لكنها اضافت بأن ذلك يتطلب مني دفعَ يورو واحداً فقط دعماً للكنسية، فدفعت ذلك عن طيب خاطر، ثم أخذت منها بروشور يشبه الخارطة لتفاصيل المكان، وأشارت هي بدورها الى السلم الجانبي الذي يمكنني النزول من خلاله.
وهناك، في الأسفل وجدتُ نفسي لأول مرة تحت إحدى الكنائس التاريخية، ورأيتُ قدم المكان على حقيقته حيث شغل القبو مساحة مماثلة لمساحة الكنيسة، وعرفتُ كيف أن سقف القبو هو أرضية الكنيسة التي تنتصب فوقي. أحجار ضخمة وجدران سميكة جداً وقديمة تعود للرومان، وكانت الأساس الذي بُنيَ عليه كل هذا الصرح الشاهق وسط المدينة. تجولتُ في المكان الذي خيم عليه الصمت وكأن الزمن يعود بي الى أكثر من ألف سنة الى الوراء. يا للقبو الذي تحول الى آلة الزمن حيث بضع درجات حجرية للسلَّم الذي نزلت منه، أخذتني نحو ذلك الزمن البعيد، حتى تخيلتُ عمال وبَنّائي ذلك الوقت وهم يدفعون الحجارة الضخمة التي تراصفت مع بعضها لتشكل أساس هذه الكنيسة. تُرى أية أغاني أو همسات تلك كانوا يرددونها أثناء عملهم الشاق؟ وما نوع الإيماءات التي كان يشيرون بها الى بعضهم لتكملة البناء؟ أعرف أن هؤلاء قد غابوا منذ زمن سحيق في غياهب النسيان، لكن الأحجار التي حملوها بأيديهم مازالت شاخصة وتُشير الى عظمة الإنسان وطموحه الذي لا يتوقف. أنا والحجارة نقف قبالة بعضنا وكأننا نكمل حركة البناء والتاريخ، ونُشير الى روح الإنسان التواقة الى الرفعة والجمال. ضحكتُ وتكلمتُ ببعض الكلمات التي تركتُ صداها خلفي لتُكمل طريقها نحو المجهول وصعدتُ السلم الحجري من جديد، حيث توجهتُ نحو الطاولة التي تشغلها المرأة، وشكرتها على هذه الفرصة الجميلة للإطلاع على القبو. إبتسمت المرأة فحييتُها بإيماءة من رأسي وسحبتُ خطواتي الى الخارج. وهناك إنفتح ضوء المدينة أمامي من جديد، حيث ساقتني قدماي مرة أخرى نحو جهة النهر. وحالَ إقترابي من الجسر تحسستُ أقفال العشاق التي تكدست على طول حافة الجسر وحَوَلَتها الى لوحة تنقيطية. مضيتُ فوق الجسر متابعاً حركة نهر الراين العظيم الذي يقسم المدينة الى قسمين. وقْعُ خطواتي يتناغم مع حركة يدي التي تُمسد على الأقفال الملونة، فيما خطواتي تقودني الى الجهة الأخرى من المدينة.










