طالب عبد العزيز
توقفتُ طويلاً عند قصيدة (تحذير) للشاعرة البريطانية جيني جوزيف(1932-2018) التي ترجمتها الشاعرة العراقية كولالة نوري، والمنشورة في صفحتها على الفيسبوك، سأختار بعضاً منها هنا:
عندما أصبحُ عجوزًا،/ سأرتدي اللونَ الأرجوانيّ / مع قبَّعة حمراءَ؛ غير متناسقة، ولا تناسبني./ وسأنفق معاشي على البراندي والقفُّازات الصيفية/ والصنادل الساتان،/ وأقول بلا مبالاة اننا لا نملك مالًا للزُّبدة./ سأجلس على الرصيف عندما أتعب ../ وألتهم عينات الطعام في المتاجر/ وأضغط على أجراس الإنذار/ وأجر عصاي على طول الحاجز العام / وأعوّض عن رزانة شبابي. / سأخرج بنعليّ تحت المطر / وأقطف الزهور من حدائق الآخرين ...
تعرّفُ المترجمة "تحذير" التي كُتبت عام ١٩٦١. " بأنها القصيدة المحبوبة لدى البريطانيين، وهي معروفة في كثير من الدول . لرسالتها التي تُصوّر الشيخوخة كفترة للاستمتاع والمرح. والقصيدة تتحدث عن شخصية امرأة محترمة و شابّة، تتخيل نفسها في شيخوختها متمردة، جريئة، ترتدي ملابس غريبة الأطوار، وتتصرف بطريقة غير تقليدية.تمّ اقتباس أفكار هذه الشخصية في المؤتمرات والجنازات، واستُخدمت لإدخال البهجة على قلوب الأصدقاء المرضى، ويتذكرها الأطفال والكبار على حد سواء."
هذه قصيدة تحرّض على كتابة الشعر، لكنْ أيَّ شعر؟ وهي دعوة عظيمة لكتابة ما صمتنا عنه طويلاً، تكشف عن خواء ذواتنا، نحن (الشعراء المحترمين) الذين نريد أنْ نظهر أنيقينّ، بأجمل ما في خزائننا من الثياب، و بأحذيتنا الفرنسية اللمّاعة، وبشعرنا المصبوغ بالأسود، و بأصابعنا المزينة بالخواتم، و بأعناقنا المشرنقة بالكرفتات، نتبختر مثل الطواويس في أروقة المهرجانات، لكنْنا أبعد ما نكون عن كتابة حقيقتنا، حقيقة أجسادنا ودمنا ورؤوسنا وأنفسنا وأقوامنا. نذهب الى كلِّ شيء، نتحدث عنه، نمتدحه أو نشتمه، بلداناً وأشخاصاً ووقائع، ونصوّر ببلاغات فجةً الحياةَ، والبطولة، والحروب، ونمجِّد الشجعان والخصيان معاً، لكنَّ حقيقة أجسادنا وأرواحنا هي ما نهمله؛ ونتجنب الحديث عنه. كنتُ قد دعيتُ العام الماضي مع من دعي من الأدباء العرب الى معرض الكتاب في القاهرة، وأقيمت لنا أمسية، قرأنا وأسمعنا بعضنا الشعر الذي نعرفُ مضامينه سلفاً، لكنَّ شاعراً معروفاً يكتب الشعر العمودي، فاجأنا بنونيةٍ عصماء، لاحدود لبلاغاتها ، نسب لنفسه في آخرها كلَّ البطولات، فخاض الغمرات، وأجهز على الأعداء، وفرق الجيوش كما لو أنه كان مع ابي الهيجاء في معاركه.
لننظر في قصيدة البريطانية جيني جوزيف(تحذير) ونكتشف حجم الحقيقة الإنسانية فيها، فالشاعرة تعرف أنها ستكبر، وتشيخ وتعجز عن القيام بالكثير من الأفعال؛ لكنها سترتدي الارجواني، وقبعةً حمراء، على خلاف ما ترتدي النساء في المتأخر من العمر، وستنفق معاشها على البراندي، وإن كانت تعوزها الزبدة في الفطور، فقد آثرت البراندي عليها، وكذلك ستكون مع ماتأكله في المتاجر من الطعام، ومع العصا التي تجرها، ومع أشياء كثيرة .. ما كانت تريده جيني جوزيف هو أنْ تعوّض ما كان محجوباً عنها في سنوات الصبا والشباب بحكم التربية المقننة، تريد أنْ تجعل من الشيخوخة متنفساً لها، لا قيداً، كما هي عندنا. منذ سنوات قلت بكراهيتي للوقار، فهو كذب وزيف. هناك ما أتقزز منه عند الرجال الوقورين، أحبُّ أنْ تعصف الحياة بي كما يحلو لها على أن لا أكون وقوراً. بي ما لا أستطيع توصيفه من كراهة في سلوكنا، الذي قيدنا به، نحن نحيا لنكذُبَ حياتنا، نبتسم لنتقيأ أحزاننا، نبكي لنتطهَّر ونتقزم آهاتٍ ودموعاً، نجلس في المقاعد الامامية لنستمني حضورنا، نقف على منصات الشعر والخطابة فنبصق فحولتنا، نتشاجر لنصطلح مع بغضائنا العميقة. هناك ما لم نتحدث عنه دائماً، وكل ما كتبناه لا قيمة له أزاء ما سنضمره خائفين من عريِّ كلماتنا.









