متابعة / المدى
توقّع الخبير الاقتصادي والأكاديمي منار العبيدي، رئيس مؤسسة عراق المستقبل للدراسات والاستشارات الاقتصادية، ارتفاع أسعار السلع والبضائع، وزيادة معدلات التضخم في العراق، نتيجة تطبيق حزمة إجراءات جديدة متعلقة بعمليات الاستيراد، بدأ العمل بها مطلع عام 2026.
وقال العبيدي، في تدوينات وتصريحات متطابقة تابعتها وسائل إعلام محلية، إن بداية العام الحالي شهدت تطبيق مجموعة من الآليات التنظيمية الخاصة بالاستيراد، الأمر الذي فاجأ عددًا كبيرًا من التجار، رغم أن هذه الإجراءات لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها أشهر من الندوات والحوارات والاجتماعات مع الجهات المعنية، غير أن التجربة العملية أثبتت – بحسب تعبيره – أن أبعاد التغيير لا تتضح بشكل كامل إلا بعد دخوله حيّز التنفيذ الفعلي. وأوضح أن ما جرى يمكن تلخيصه بثلاثة محاور رئيسية شكّلت جوهر التحول في سياسة الاستيراد، أولها التطبيق الفعلي للتعرفة الكمركية، حيث يعتقد البعض أن التعرفة التي بدأ العمل بها مع مطلع 2026 تمثل قرارًا حكوميًا مستحدثًا، في حين أن الحقيقة، وفق العبيدي، هي أن هذه التعرفة مقرة قانونًا منذ عام 2010 بموجب قانون التعرفة الكمركية رقم 22 لسنة 2010، لكنها لم تُطبّق فعليًا طوال السنوات الماضية، وبالتالي فإن ما حدث لا يعد استحداثًا لقرار جديد، بل تنفيذًا متأخرًا لقانون نافذ أقرته السلطة التشريعية قبل أكثر من عقد.
وأشار إلى أن المحور الثاني يتمثل في اعتماد آلية الاحتساب الكمركي المسبق، وهي خطوة تهدف إلى معالجة ملفات طالما ارتبطت بالتحويلات الخارجية، وفي مقدمتها تهريب العملة وتضخيم الفواتير، إذ بات يتم تحديد الرسوم والالتزامات الكمركية قبل إجراء التحويل المالي، مع استيفائها عند دخول البضائع فعليًا، بما يقطع الطريق أمام التحويلات الوهمية، ويحدّ من تضخيم الفواتير، ويضمن دخول البضائع بصورة رسمية وقانونية، مع تحصيل حقوق الدولة كاملة.
أما المحور الثالث، فيتعلق بتطبيق نظام التأمينات الضريبية، حيث أوضح العبيدي أن الحكومة، وبالاستفادة من نظام «الأسيكودا»، شرعت بفرض تأمينات ضريبية على البضائع المستوردة عند وصولها، وفق نسب محددة ومعلنة مسبقًا، على أن يتم في نهاية السنة المالية إجراء التسوية الضريبية النهائية، باحتساب الضريبة المستحقة على الشركات وخصمها من مبالغ التأمينات التي جُبيت خلال عمليات الاستيراد.
وبيّن العبيدي أن هذه الإجراءات الثلاثة تشكّل مجتمعة جوهر ما بدأ تطبيقه مع مطلع عام 2026، مشددًا على أن الجدل المتعلق بارتفاع نسب التعرفة الكمركية ينبغي أن يُفهم ضمن إطاره الدستوري، إذ إن تحديد هذه النسب ليس من صلاحيات السلطة التنفيذية، بل يعود إلى السلطة التشريعية التي أقرت القانون، وبالتالي فإن أي محاولة لتعديلها يجب أن تتجه نحو مجلس النواب، لا تحميل الحكومة مسؤولية قوانين نافذة.
وعن أسباب توقيت تطبيق هذه الآليات، أوضح العبيدي أن الدولة أنهت أخيرًا مشروع أتمتة الكمارك والمنافذ الحدودية، وهو مشروع طال انتظاره لسنوات، واستفاد من تأخره كثيرون، ومع اكتماله بات بالإمكان فرض هذه الإجراءات بصورة عملية وفعالة. وفي ما يتعلق بارتفاع سعر صرف الدولار، أشار إلى أن هذا الارتفاع لا يمكن فصله عن انحسار عمليات تهريب العملة وتضخيم الفواتير، إذ أدى تشديد الرقابة وتطبيق الإجراءات الجديدة إلى دفع الجهات التي كانت تبحث عن الدولار لأغراض غير مشروعة نحو السوق الموازي، لتعويض النقص الذي طرأ على السوق الرسمي.
ولم يستبعد العبيدي أن تواجه مراحل التطبيق الأولى صعوبات فنية وإجرائية، خصوصًا ما يتعلق بشكاوى بعض التجار من صعوبة الدخول إلى المنصات أو ضعف تجاوب بعض المصارف، معتبرًا أن هذه الإشكالات متوقعة في البدايات، وتحتاج إلى وقت لاستيعاب جميع التجار، وتنظيم عملياتهم، والتحقق من سلامة الإجراءات وصحتها القانونية.
وأكد الخبير الاقتصادي أن ارتفاع سعر الدولار لن يكون الأثر الوحيد لهذه التحولات، إذ من المتوقع أن تشهد أسعار العديد من السلع، ولا سيما الاستهلاكية منها، ارتفاعًا ملحوظًا، ما سينعكس بزيادة معدلات التضخم خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن هذا الواقع يفرض على الدولة اللجوء إلى ما وصفه بإجراءات اقتصادية «جراحية» تهدف إلى زيادة الإيرادات غير النفطية، رغم ما قد يترتب عليها من آثار مباشرة على المواطنين، مشددًا في الوقت نفسه على أن التحدي الأهم يبقى في قدرة الحكومة على الحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء والنقل، لضمان عدم تحميل الشرائح الفقيرة وذوي الدخل المحدود كلفة هذه التحولات الاقتصادية.










