د. أحمد عبد الرزاق شكارة
يطيب لي أن أهنئ العالم (أممه، شعوبه ودوله )ووطني الحبيب بقدوم العام الجديد 2026 عسى أن يجلب للعالم وللعراق الامن ، السلام والرخاء والازدهار بمعناه الانساني - الستراتيجي.
من منظور مكمل نلحظ استمرار أحاديث الذاكرة والذكريات في إطار ما يطرح عن (شجون وشؤون) تبين بشكل جلي ماعاناهويعانيه شعبنا وبلدنا من مشكلات بل وأزمات معقدة وصعبة لابد من حلها سريعا ونحن نتجاوز الربع الاول من القرن الحادي والعشرين خاصة في إطار الشواهد والارقام الاحصائية التي توضح مدى ألاهمية الاستثنائية لتبني أطارا اقتصاديا -إجتماعيا جيوسيتراتيجي شامل في ظل عملية واعية لصناعة السعادة والرخاء . إذ أن تقلص مساحات البؤس وأنماء مساحات السعادة والرخاء والامل المنشود باتت ضرورة لامناص منها . مشروع جيوستراتيجي هدفه بناء العراق الحديث مواكبا روح العصر وآلياته العملية بصورة تمكن نخبه وكل فرد فيه من ترجمة التحديات إلى فرص للتنمية الانسانية المستدامة . الإمر الذي يتطلب أولا حسن النوايا والاخلاص والولاء للوطن بغية أطلاق ثورة مجتمعية كبرى هدفها تأسيس دولة المواطنة الحقة . مسألة تتطلب حلولا استثنائية للازمات الاستثنائية على الصعيدين الداخلي والخارجي. يستدعي الأمر أن اتحدث بشفافية ، عقلانية وواقعية عن واقع حاضرومستقبل وطننا الذي تتمزج فيه الاماني بالتحديات مؤملين خيرا من قادة العراق وهم على أعتاب مرحلة تسنم قريب لمسؤولياتهم الوطنية في المجالات التشريعية ، التنفيذية ، القضائية وغيرها من سلطات رقابية وخدمية أن يشرعوا في تحويلها لفرص ثمينة لبناء وبلورة مشروع تحديثالدولةالعراقيةوفقا لنظام مؤسسي يعزز ديمقراطية المؤسسات. إبداع يدخل مرونة / كفاءة / وأداءا مهنيا سياسيا وإداريا ناجعا يعمق مسيرة الاعمار والتنمية في عمقها الانساني محققا ارتقاءا بنوعية ومستويات الحياة التي تليق بدولة لها موقع جيوسياسي حيوي وإمكانات اقتصادية ومجتمعية هائلة ولكنها استثمارها لازال دون الطموح .
لعل من المناسب في البداية تبين الفلسفة التربوية الشاملة المتوازنة التي من أفضل من يتناولها الدكتور محمد فاضل الجمالي متميزا بحق ضمن النخبوية العراقية القيادية في العهد الملكي . الاستاذ الجمالي ضمن آرائه على 3 اسسس ترتكز عليها " (الايمان والعلم والفن) عن طريقها ينشأ الخير والحق والجمال ". من أبرز مضمون الافكار في هذا السياق كي يترتقي بلادنا لنموذج مناسب يتكيف مع قيمنا ـ ثقافتنا (حضارتنا) ومتغيرات العصرالحديث مايلي :
الايمان" بالقصد الكوني وبأن الكون يسير وفق قوانين طبيعية ونظام عام . وأن أجزاء الكون متفاعلة مترابطة بعضها مع البعض ".
الأيمان" بأخوة البشر التي يجب أن لا تتضارب مع قدسية الحرية , وتتضمن حرية الروح والفكر والكلام والعمل في سبيل الخير العام ".
الايمان" بالعدل الاجتماعي بين الامم والافراد ، وان البشر مهما كانتهم بوصفهم أفرادا وأمما لايجوز أن ينحطوا دون المستوى محتشم في الحياة المادية والادبية ".
الايمان بأن" للأمة العربية شخصية ذات مزايا ومواهب علينا أن نستثمرها لخير الانسانية جمعاء ".
الإيمان بأن" للفرد قيمته الروحية ، وقدسيته المعنوية ، ولذلك تكون حياة الفرد ذات قيمة أساسية للأمة خاصة ، وللإسلامية بصورة عامة ".
من هنا ، ولإجل أن نتفهم مدى حجم التحديات التي تجابهنا يمكننا أن نلجأ لتفسير طبيعة العوامل المؤثرة في صنع السياسات العامة للعراق تأتي ضرورة التعمق في وصف وتحليل بعض الافكار الرئيسة الواردة في كتاب الدكتور محمد عابد الجابري حيث حدد 3 مفاهيم : اولا - العقيدة الناجمة عن تأثير الايدلوجيات في الاعتقاد والتمذهب ، ثانيا - دور ما عرفه ب"الغنيمة " بإعتبارها مفهوم يبين" تأثير الثقافة الريعية"في تكوين حالة اللاوعي السياسي للمجتمع " متسقا مع دور الاقتصاد الريعي في تكوين السياسات العامة وطبيعة تنفيذها ". لاشك أن النظام الاقتصادي الراهن ولسنوات قادمة سيعتمد على الاقتصاد - النفطي - الريعي كونه أضحى ثقافة وسلوكا شعبيا في ذات الوقت. إن تداعيات السلبية لهذا الوضع تترجم حتى الان بصيغة قديمة جديدة للعلاقات الاقتصادية القائمة على معادلة كرست مدى تاثير الغالب على المغلوب مثلته صورا عدة لعل منها عبر التاريخ السياسي للعراق ولدول المنطقة ظاهرة فرض إتاوات وضرائب. اما عقب عصر النفط فقد تمثلت بالحصول على نسبة من الريع النفطي وفقا لهبة الطبيعة دون بذل جهد حقيقي إلا اللهم من خلال استخدام عمل الاخرين وآليات التنفيذ. لذا كلما ما توصل العراق لصيغة عادلة ومنصفة لإنتاج حقيقي من قطاعات الزراعة ، التصنيع ، الطاقة المتجددة والخضراء ومن الخدمات العامة (المصرفية والتأمين ، مواصلات وإتصالات التقنية الحديثة) سيتقلص اللجوء للبعد الريعي - النفطي وهو أمر أيجابي للمصلحة الوطنية العراقية في المدى الستراتيجي . أخيرا ، المفهوم الثالث عبر عنه الجابري بدور القرابة التي تنعكس في ما يعرف ب"العشائرية " سلوكا إجتماعيا وسياسيا في إدارة الدولة يعتمد على الاقارب وصلات الدم (العصبية في بعدها السلبي الذي ينم عن الافراط في الترف والفساد وفقا لإبن خلدون) بدلا من الركون للخبرة وللكفاءة في تأسيس الدول المندمجة بصورة توفر التماسك والحماية . إن سياق العصبية المؤدية للتفكك والضعف لن يخدم البلاد في إطار تنمية المصلحة الوطنية بقدر ما تخلق دورة حضارية قلقة متأرجحة وآيلة للسقوط نظرا للمصالح الفردية والفئوية لقلة تتحكم بصناعة القرار السياسي. مسألة آن أوان تحجيمها إن لم يكن توقفها كليا لاسباب ومبررات لاتخفى تقع حاليا في إطار" المحاصصة " التي تهيء للمناخ المواتي للفساد وتداعياته الخطيرة. ترتيبا على ذلك أود أن أتطرق لجملة شؤون حيوية تطرح حلولا ناجعة إن طبقت ستحقق للعراق إرتقاءا حياتيا :
اولا : من المتوقع إذا نجح التخطيط والتنفيذ ل" تطبيق إستراتيجية طموحة للقضاء على الفقر والفاقة ، حيث أظهرت البيانات إنخفاضا في نسبة الفقر إلى حوالي 17% في 2025 حيث تستهدف الستراتيجية الجديدة (2026- 2030) خفضها إلى أقل من 10% من خلال برامج الدعم الاجتماعي ، الصحة ، التعليم والتمكين الاقتصادي مع التركيز على المناطق الاكثر فقرا لمواجهة التحديات المستمرة ".
ثانيا : يفترض أن تستوعب الستراتيجية مجالات حيوية أخرى تستوعب إلى جانب قطاع المواصلات والاتصالات التي ركزت عليها الحكومات المتعاقبة بدرجات متفاوتة من النجاح على ميادين إنسانية أخرى على رأسها : الامن العلمي - التعليمي البحثي - المعرفي بهدف القضاء على الجهل والارتقاء تقنيا، الامن البيئي - الصحي ضرورة حيوية آخذا بالاعتبار تصاعدالمخاطرالمهددة للبيئة الناجم من إتساع درجات التلوث في نوعية الهواء وصلت في العراقلدرجات عالية لمعدل زاد عن المائة طبقالمقياس نوعية الهواء AQI-Air Quality Index. إن تشخيص الازمة ليس كافيا بل لابد من وضع الحلول الستراتيجية والقانونية الحازمة لايقاف التلوث الحاد وأيصاله لحدود طبيعية خضراء بمعدل بين 50 إلى اقل من مائة درجة.
ثانيا : قدم غوتيريش (الإمين العام للامم المتحدة) وصفا للازمات العالمية كونها وضعت عالمنا : " على مفترق طرق ومن حولنا الفوضى وعدم اليقين . فمن هنا شقاق ومن هناك عنف وهذا إنهيار مناخي . وتلك أنتهاكات ممنهجة للقانون الدولي . بل صار النكوص عاما عن المبادئ التي تجمعنا كأسرة بشرية ". تسائل ايضا بشكل مشروع عن ما يختلج في نفوس البشر وهو في تقديري علىحق :" أيوجد في القادة من يستمع حتى؟ هل هم مستعدون لفعل شيئ ما؟" لاشك أن الامر ينطبق على العراق في مواجهتهلتحديات جمة مما يستدعي العمل الحثيث لصياغة وبلورة رؤية حكيمة وثاقبة على الصعيد الجيوسياسي الشامل للتفاعل الايجابي مع سياسة خارجية ودبلوماسية فاعلة مؤثرة تقدم العراق كرقم صعب في معادلة توازن القوى الاقليمي الذي يتطلب جهدا مضاعفا من العراق لخلق حالة ردع اقليمي" دفاعي مشروع " في مواجهة جدية لمخاطر التمدد الصهيوني في الاراضي العربية خاصة في المشرق العربي (فلسطين المحتلة ، سوريا ولبنان)طالما بقي الحلم الصهيوني التوراتي" من النيل إلى الفرات " لايزال معتمدا من قادة اسرائيل"ينفذ عملا".
إن المخطط العسكري الاسرائيلي لمايعرف بالشرق الاوسط الجديد يقع ضمن الستراتيجية الاسرائيلية - الامريكية الساعية لتأمين المصالح الذاتية لكل من تل ابيب وواشنطن وصولا لتطور مميز للعلاقات الستراتيجية بينهما لإكثر المراحل خطورة على الامن الاقليمي والدولي . علما بإن التوجه نحو الانفاق الدفاعي المتقدم والذي يحمي سماء العراق من مخاطر الحروب او التهديدات بها يعدضرورة استراتيجية لحماية السيادة الاقليمية.
رابعا : من منظور(UN الامم المتحدة ) فإن ما يحتاجه العالم حقا مسار اقتصادي - تقني جوهري يحقق للامم استحقاقتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية بل والانسانية بشكل عادل ، ولكن الامر ليس بالهين طالما نجد أن الانفاق العسكري العالمي وصل ل2.7 تريليون دولار إذ تصاعد بنسبة تقارب 10 في المائة رقم يفوق مجموع المساعدات الانمائية بثلاثة عشر ضعفا. اما بالنسبة للعراق فأنه في الغالب الاعم وعقب تجاوز حقب الحروب والصراعات الدامية السابقة وصل لمراحل صعبة جدا أضحى معها مسددا للديون المتراكمة التي فرضت عليه كنتيجة للعقوبات الدولية بموجب الفصل السابع للامم المتحدة وذلك عقب سقوط النظام السابق . العراق بإختصار أضحى متلقيا للمساعدات التنموية - الانسانية لإعادة الاعمار وهي مسألة لم تتحقق بشكلها الطموح بما يؤدي لتحسن متوازن ملموس لمستوى المعيشة خاصة مع تأرجح الانتفاع من مايعرف بالموازنات الانفجارية . إن تحسن بعض مؤشرات التنمية البشرية اخيرا لازالت أمامه اشواط ومراحل زمنية للوصول للمستوى التنموي الانساني الذي يليق بالعراق. لعل ارتفاع نسبة الديون ما قبل وعقب 2003 يعد مؤشرا على أهمية دور صناع القرار في أعتمادمزيدا من الشراكات الاقتصادية الرصينةمع الدول والشركات الكبرى وكذا بالتعاون والتنسيق مع مؤسسات الامم المتحدة الفاعلة بغية تنمية الاقتصاد العراق.لاشك إن حماية جيل الطفولة والشباب مسؤولية كبرى منعا للضياع او للتشرد، كذا أولوية مكافحة أزمات الفساد التي يجب أن تستمر بكل قوة على مختلف الصعد الوطنية ، الاقليمية والدولية .
خامسا : إن تدعيم حملات واسعة لمجابهة الامراض الاجتماعية والاقتصادية مثل البطالة المزمنة لشريحة الشباب وإنتشار المخدرات جهود مهمة لابد من تعزيزها وطنيا - اقليميا ودوليا وبالاتجاه السليم ايضا أولوية تؤكيد نهج حماية كبار السن واحترامهم كونهم أسسوا للدولة وعانوا من غوائل الايام تقديرا واستحقاقا و بالتكريم اللائق .









