TOP

جريدة المدى > سينما > فيلم " نورمبيرغ".. حين يُحاكِم التاريخ الحاضر

فيلم " نورمبيرغ".. حين يُحاكِم التاريخ الحاضر

نشر في: 8 يناير, 2026: 12:01 ص

ترجمة : قحطان المعموري
إن سردُ قصةٍ تدور أحداثُها في الماضي يمكن أن يكون وسيلةً رائعة للحديث عن الحاضر، وفيلم « نورمبيرغ» يبرهن على ذلك. فدراما المخرج وكاتب السيناريو جيمس فاندربيلت التاريخية يصعب مشاهدتها من دون التفكير في الإبادات الجماعية والحروب وقمع الدول الذي يجري اليوم في أنحاء العالم ، والتساؤل عمّا إذا كان المسؤولون عنها سيُحاسَبون يومًا ما. من المرجح إن أي قارئ لهذه المراجعة اليوم ، على دراية بأحدث الفظائع، بما في ذلك اختطاف واحتجاز مواطنين ، وكذلك مهاجرين، من دون محاكمة على يد الدول وعملائها، وسيتم التفكير في هذه الجرائم مجددًا أثناء مشاهدة فيلم "نورمبرغ»، لأن هذا النوع من الأفعال يتم مناقشتها فيه بإسهاب، إلى جانب انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، والعملية التي يمكن من خلالها أن يؤدّي تجريدُ الدولة لفئاتٍ معيّنة من المواطنين من إنسانيتهم ، ثم إلى الديكتاتورية وإلى الإبادة الجماعية.
يشير العنوان إلى المدينة التي اجتمع فيها ممثلو أربع دولٍ حليفة تعاونت على هزيمة ألمانيا النازية لمحاكمة قادتها. وكانت مفاهيم القانون الدولي وقواعد الحرب قد تطوّرت عبرالسنين آنذاك، غير أنّ مفهوم «الجرائم ضد الإنسانية» لم يكن قد جرى تقنينه بعد، كما لم تكن قد تبلورت فكرة أنّ الدولة لا تحتاج إلى توقيع معاهدة كي تكون مُلزَمة بالممارسات الدولية. لقد كان هذا الإطار لمحاكمات نورمبرغ مثار جدلٍ كبير، فقد وُجد تيارٌ واسع داخل صفوف الحلفاء يرى أن قيادة النازيين (وربما النازيين في الرُتب الأدنى أيضًا) ينبغي ببساطة أن يتم تصفيتهم واعدامهم وهو ما كان يحدث عادةً لقادة الدول المهزومة في الحروب. كان ذلك سيكون أسرع وأقل تكلفة من محاكمة تُبَثّ عالميًا، كما أنه كان سيمنع مهندسي أول إبادة جماعية ممنهجة من التلاعب بالتغطية الإعلامية للحدث (بما في ذلك البث الإذاعي) لنشر أفكارهم.
فيلم «نورمبرغ " مقتبس من كتاب غير روائي بعنوان «النازي والطبيب النفسي» للكاتب جاك إل-هاي، ويتناول العلاقة بين هيرمان غورينغ (راسل كرو)، أعلى مسؤول نازي بقي على قيد الحياة وجرى مثوله في نورمبرغ، والطبيب النفسي الأمريكي جاك كيلي (رامي مالك)، الذي جُلب إلى نورمبرغ لتقييم قادة النازيين المسجونين وتحديد ما إذا كانوا مؤهَّلين للمثول أمام المحكمة. وكما ذكرت مجلة سميثسونيان، كان كيلي يريد «تشريح الشر» عبر تحديد «ما إذا كان أعضاء القيادة العليا النازية يشتركون في حالة نفسية دفعتهم إلى ارتكاب فظائع لا توصف، وعلى رأسها الهولوكوست». وقد انخرط كيلي في هذه المهمة لأن هناك دافعًا مثاليًا بعد الحرب يهدف إلى التأكد من محاسبة الرجال الذين تسببت أوامرهم في مقتل ملايين البشر. لكن دوافعه لم تكن خالصة تمامًا؛ إذ كان يعتقد أيضًا أنه سيخرج من هذه التجربة بكتاب يحقق أعلى المبيعات.
يبدأ الفيلم باعتقال هيرمان غورينغ حيث يدخلنا إلى القصة من خلال متابعة جهود قاضي المحكمة العليا المساعد روبرت هـ. جاكسون (مايكل شانون) لإقناع إدارة الرئيس هاري ترومان بمحاكمة النازيين. نحصل على تفاصيل عن سجن نورمبرغ وقاعة المحكمة، وعن التاريخ القريب آنذاك لمدينة نورمبرغ وألمانيا وأوروبا، وعن التصعيد التدريجي للجرائم ضد من اعتبرتهم الدولة أعداءً بمرسوم رسمي. غير أن العلاقة الغريبة بين كيلي ( الطبيب النفسي) وغورينغ تشكّل العمود الفقري للقصة حيث يقدّم كلا الممثلين أداءً استثنائيًا.
يُظهر لنا الممثل روسيل كرو لماذا يُعد واحدًا من آخر نجوم السينما الكبار، إضافة إلى كونه ممثلًا بارعًا، إذ يستقر في مرحلة الممثل ذي الشخصية القوية في مسيرته المهنية، ومثلما كان جين هاكمان في أعظم أدواره خلال الثمانينيات والتسعينيات، يمتلك روسيل كرو طاقة الرجل العادي إلى حدٍّ يجعل تلك اللحظات النادرة التي يُحبط فيها غورينغ أو يُصاب بخيبة أمل، فنلمح قدرته على عنفٍ طاغٍ، تأتي كمفاجأة مقلقة وغير متوقعة في سياق المشهد، رغم أننا نعرف أن الرجل قاتل.
أما الممثل رامي مالك فقد سبق وأن تعرّض لانتقادات بسبب أدائه الفائز بالأوسكار في دور فريدي ميركوري في فيلم "بوهيميان رابسودي»، ولم يكن ذلك بلا مبرر. لكنه كان قد أثبت بالفعل امتلاكه المقومات ليكون بطلًا غير تقليدي في مسلسل الإثارة الساخر «مستر روبوت» الذي نجح أساسًا بفضل قدرته على التواصل مع مشاعر المشاهدين. ويؤكد أداؤه لشخصية الطبيب النفسي كيلي السبب في رؤية كثير من صُنّاع الأفلام للإمكانيات الكبيرة التي يتمتع بها. ويمكخن القول بأن أداؤه في دور كيلي هو أفضل ما قدّمه في فيلم روائي طويل حتى الآن.
ينقل مالك صراعات كيلي الداخلية في الغالب من خلال ردود أفعاله أثناء الحوارات، وحين يراقب مجريات المحاكمة وهي تتكشف. وتبرز براعة الممثل في الإصغاء على الشاشة في المشاهد التي يحاول فيها كيلي بناء رابط مع غورينغ عبر منحه جمهورًا مشدودًا لخطبه المطوّلة وحكاياته، وكذلك من خلال قيامه بدور وسيط لنقل المراسلات بين غورينغ وعائلته المختفية عن الأنظار. ويؤدي مالك الشخصية على أنها لرجل ذكي وجذّاب وواثق من نفسه، فيه قدر من الانتهازية، لكنه لا يدرك تمامًا حدود انتهازيته. ويفعل ذلك دون أن يبالغ في إبراز سذاجة كيلي في بداياته أو غضبه وخزيه في المراحل اللاحقة.
أخلاقيًا، يبدو كيلي مهتزًا منذ المشهد الأول. فهو يضع عينًا على التاريخ، وأخرى على مستقبله الشخصي. نلاحظ مراوغته منذ المشهد الافتتاحي، حيث يقوم بخدع سحرية لإبهار شابة جميلة على متن القطار المتجه إلى ألمانيا. لم يكن موقف كيلي الراسخ بشأن سرية العلاقة بين الطبيب والمريض، حتى في السجون العسكرية، راسخًا منذ البداية، وينهار هذا الموقف عندما يُطلب منه تقديم تفاصيل كل جلسة مع غورينغ، ليتمكن القاضي جاكسون من الحصول على ميزة عندما يدلي زعيم النازيين بشهادته.
يُفسِدْغورينغ الطبيب كيلي أكثر بإطرائه له ، موهمًا إياه أن ذكائه العاطفي هو ما دفعه إلى كشف أسراره الشخصية. لكن ما يحدث في الحقيقة هو مثال نموذجي على وحشٍ جذّاب وساحر يتلاعب بمَن يستجوبه بمهارة. في لحظة مبكرة، يرتكب غورينغ، الذي يدّعي أنه لا يفهم الإنجليزية، زلة لسان، لكنها خفية لدرجة أن كيلي وحده هو من يلاحظها. يشعر كيلي بالفخر لاكتشافه حقيقة غورينغ، لكننا نتساءل لاحقًا عما إذا كان غورينغ بارعًا لدرجة أنه تظاهر بالزلة بدقة كافية لخداع الجميع باستثناء كيلي.
يُظهر المخرج فاندربيلت، الذي حقق شهرة واسعة بفضل كتابة السيناريو المقتبس لفيلم "زودياك" للمخرج ديفيد فينشر، مرة أخرى قدرته على تخفيف وطأة المواضيع القاتمة بروح دعابة ساخرة دون أن يبدو ذلك استخفافًا. لقد فعل ستيفن سبيلبرغ هذا في جميع أعماله الدرامية التاريخية، بما في ذلك "قائمة شندلر"، كما فعل ستانلي كوبريك. أحيانًا، تتطلب سخافة الموقف المروع قليلًا من الفكاهة حتى لا يبدو العمل غير صادق أو وعظيًا بشكل ممل. هناك عدة مشاهد مبكرة تقشعر لها الأبدان، حيث ينظر غورينغ إلى الطبيب النفسي بتعبير يبدو في ظاهره بريئًا وواثقًا، ولكنه أقرب إلى نظرة جزار ماهر إلى بقرة وهو يتخيل خطوطًا منقطة على مخطط تقطيعها.
تُجسّد تفاعلات غورينغ والطبيب كيلي وجهات نظر مختلفة حول الحرب والإبادة الجماعية والقانون الدولي وأخلاقيات الطب النفسي، فضلاً عن المسؤولية العامة لاتخاذ قرارات أخلاقية سليمة حتى في ظل التهديد بالموت. كما تُظهر مشاهدهما جاذبية الرجال البليغين لكن المتوحشين، الذين يصعدون إلى مناصب النفوذ بفضل معرفتهم بكيفية التلاعب بالناس، وإمكانيتهم على تطبيق هذه المهارة في مواقف مختلفة، بما في ذلك جلسة مع طبيب نفسي في السجن. ويُظهر غورينغ أيضاً ملامح شيطانية بوصفه محتالاً، إذ يخترق دفاعات ضحيته الأخلاقية بالخروج عن الموضوع في أحاديث جانبية مضحكة، والانغماس في مغالطات منطقية ، مثل " وماذا عن...؟". عندما يواجه الطبيب كيلي غورينغ في زنزانته بشأن ادعائه بعدم معرفته بإعدام السجناء، يغير الموضوع قائلاً: "هل تعتقد أن الرصاص والقنابل الأمريكية قد تقتل المدنيين؟ لقد فجرت 150 ألف ياباني بضغطة زر، ثم تفترض أنك ستحاكمني على جرائم حرب؟".
إن وضع المنطق في فم الشيطان خطوة محفوفة بالمخاطر. لكن الطريقة التي يستدرج بها غورينغ الجميع، حتى لرجلٍ وظيفته فهم علم النفس، تُظهر كيف يستولي الطغاة وأتباعهم على السلطة من أناس يظنون أنفسهم أذكى من أن يُخدعوا. يؤكد فيلم "نورمبرغ" لماذا كان من السهل، حتى بعد المحاكمة، استقطاب أجيال جديدة إلى الفاشية، وهو الأمر الذي كان يأمل مُنظّرو نورمبرغ أن يمنعه الكشف العلني عن النازيين ومعاقبتهم . إن الإشارات العديدة إلى جرائم الحرب غير الألمانية - مثل قصف الحلفاء المكثف للمدن الألمانية - مبررة هنا لأن الفيلم أشبه بحصان طروادة بلاغي، يُخفي ملاحظات لاذعة حول الشر المعاصر وإمكانية محاسبته في عمل تاريخي ساند و ضخم الإنتاج.
لم يستطع الفيلم بمدة ساعتين وعشرين دقيقة، معالجة كل القضايا التي يطرحها (مثل هشاشة قسم السرّية الذي يلتزم به الطبيب النفسي). تبدو المحاكمة قصيرة جدًا بعد كل هذا التمهيد، كما يتم إغفال الكثير من التفاصيل الأخرى. يُصوَّر القاضي جاكسون، بتفاصيل دقيقة، ويعود الفضل في ذلك جزئيًا إلى قدرة الممثل مايكل شانون على جعلك تشعر وكأنك تعرفه تمامًا حتى لو لم تسمع اسمه من قبل (فهو من النوع الذي يتمتع بروح دعابة حقيقية، ولكنها مترددة).
أما الشخصيات المهمة الأخرى فيمكن ان تحصل على ملامح سريعة بدلاً من صور مكتملة لهم ، مثل المستشار البريطاني ديفيد ماكسويل فايف (ريتشارد إي. غرانت)، الذي يعقّد قضية جاكسون ويساعدها في الوقت نفسه ؛ وقائد سجن نورمبرغ بيرتون سي. أندروس (جون سلاتري)، الذي يُختزل إلى نمط الشخصية التي يؤديها جون سلاتري غالبًا (غير عاطفي، ساخر، ظريف)؛ وكذلك المتهمون النازيون الآخرون وعددهم 21، ومنهم رودولف هِس (أندرياس بيتشمان)، نائب الفوهرر الذي طار بطائرة مسروقة إلى اسكتلندا عام 1941، وأمضى السنوات الأربع التالية محتجزًا في برج لندن، ثم حاول الإفلات من العقاب في نورمبرغ بادعاء فقدان الذاكرة، وجلس إلى جانب غورينغ خلال المحاكمة.
على العموم، يمكن القول إن فيلم «نورمبرغ « هو فيلم متين من نوع كان أكثر شيوعًا في السابق: فيلم أوسكار جاد وغير متكلف، يريد أن يشاهده الجميع، ولذلك لا يحاول أن يكون معقدًا أو فنّيًا أكثر من اللازم. إنه يسعى إلى التثقيف والإلهام بقدر ما يسعى إلى الترفيه، ولا يخجل من هذا الطموح. وهو فعّال جدًا في طرح حجة لنتائج معاصرة محددة، مع أنه يبدو وكأنه يكتفي بعرض تجسيد درامي للتاريخ. وفي إحدى اللحظات، يقول أحد الشخصيات إن ما جرى «حدث هنا» لأن «الناس هم من جعلوه يحدث، لأنهم لم يقفوا في وجهه إلا بعد فوات الأوان». وهو يتحدث عن ألمانيا، من بين أماكن أخرى.
----------------
نورمبيرغ ، فيلم امريكي، تاريخي ، درامي نفسي مأخوذ عن قصة «النازي والطبيب النفسي» للكاتب جاك إل-هاي، من إخراج جيمس فاندربيلت وبطولة راسل كرو ، رامي مالك ومايكل شانون. بدأ عرضه في أيلول 2025.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

قمة الكرمة والقوة الجوية تشعل الجولة 11 من دوري نجوم العراق

ترامب: لا عفو عن مادورو وصلاحياتي لا يقيّدها إلا ضميري

المبعوث الأمريكي يرحّب بهدنة حلب ويؤكد العمل على تمديدها

منخفض جوي قادم من البحر المتوسط يدخل أجواء العراق

نتنياهو: نزع سلاح حزب الله مشجّع لكنه غير كافٍ

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

سكروجد.. ترنيمة ديكنز في عصر التلفزيون

فيلم " نورمبيرغ".. حين يُحاكِم التاريخ الحاضر

صندوق البحر الأحمر يعلن فتح التقديم لدعم المشاريع السينمائية

مقالات ذات صلة

سكروجد.. ترنيمة ديكنز في عصر التلفزيون
سينما

سكروجد.. ترنيمة ديكنز في عصر التلفزيون

علي الياسري في زمن يبدو فيه الانسان أسير خوارزميات تحوله الى سلعة تكتنزها الرأسمالية كاستهلاك مفرط يتحرك من جوهر مادي الى مظاهر مبهرجة تعيش لحظتها الى اقصى حد دون ان تكون سوى كرة تتوارى...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram