TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الأخلاق السياسية في العراق

الأخلاق السياسية في العراق

نشر في: 11 يناير, 2026: 12:01 ص

عصام الياسري

تحتل الأخلاق السياسية موقعاً محورياً في بناء الدول واستقرارها، لأنها تمثل البوصلة التي توجه طريقة استخدام السلطة، وتحدد العلاقة بين الحاكم والمجتمع. ومع تعدد التجارب التاريخية وتنوع النماذج السياسية التي عرفتها البشرية، بات واضحاً أن السياسة التي تنفصل عن الأخلاق تُفضي حتماً إلى تآكل الشرعية وانهيار الثقة، مهما بلغت قوة الأجهزة أو اتسعت الموارد.
عبر التاريخ، كشفت الحضارات والدول الكبرى أن العدالة ليست مجرد قيمة معنوية، بل قاعدة وجود. فالحضارة اليونانية والرومانية بلغت قمّة نفوذها ثم انحدرت حين تفشى الفساد وضعفت الأخلاق في ممارسة الحكم. وفي التجربة الإسلامية، ارتبطت قوة الدولة وازدهارها بقيم الشورى والمحاسبة واحترام الإنسان، بينما أدت صراعات النفوذ وإهمال مبادئ العدالة إلى تفككها لاحقاً. هذا يؤكد أن الأخلاق السياسية ليست خياراً تجميلياً، بل هي مسؤولية تاريخية حملتها الأمم عبر قرون التجربة والخطأ.
أما في واقعنا المعاصر ـ وتحيدا المشهد العراقي ـ فالأخلاق السياسية ليست فكرة مثالية بعيدة عن الواقع كما قد يظن البعض، بل هي ضرورة موضوعية لضمان تماسك الدولة وإدارة مواردها بكفاءة. فالقرار السياسي الذي لا يستند إلى قواعد أخلاقية واضحة يصبح قابلاً للانحراف نحو خدمة المصالح الشخصية أو الفئوية، وهو ما يؤدي إلى تراجع الثقة العامة، وارتفاع مستويات الاحتقان الاجتماعي، وتآكل هيبة القانون.
إن الشفافية والمحاسبة واحترام القانون وتكافؤ الفرص ليست شعارات، بل آليات عملية لحماية الدولة من الانزلاق. إن نظام الحكم الذي يضع المواطن في موقع المتابع والمشارك، لا المتفرج، هو وحده القادر على بناء شرعية راسخة، لأن الشرعية لا تُستمد فقط من النصوص الدستورية، بل من رصيد الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته.
اليوم، ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يصبح الحديث عن الأخلاق السياسية ضرورة لا يمكن تأجيلها. فكل دولة تتطلع إلى مستقبل مستقر لا بد أن تعيد الاعتبار للقيم التي تمنح السلطة معناها الإنساني، وتُخضع القوة لمعيار المصلحة العامة، لا لمزاج الحاكم أو نفوذ الفئات المتنفذة.
إن بناء ثقافة سياسية أخلاقية يبدأ من التعليم والإعلام وخطاب النخب، لكنه يتجذر من خلال التطبيق الفعلي في مؤسسات الحكم. فحين يرى المواطن القانون مطبقاً على الجميع، والمال العام مصاناً، والقرارات تصدر لخدمة الناس لا لخدمة أصحاب السلطة، عندها فقط تستقيم السياسة ويستقر المجتمع.
إن الأخلاق السياسية ليست خطاباً مثالياً أو ترفاً نظرياً، بل هي ضرورة تاريخية وموضوعية لضمان بقاء واستقرار الدولة. فالتجارب عبر القرون أثبتت أن الانحراف الأخلاقي يقود إلى فقدان الشرعية وانهيار الثقة العامة، في حين أن الالتزام بالقيم السياسية كاحترام القانون والعدل والمصلحة العامة يرسخ استدامة الدولة ويعزز وحدتها. ومن هنا، فإن بناء منظومة سياسية فعّالة يتطلب ترسيخ الأخلاق كجزء لا يتجزأ من الثقافة السياسية للمجتمع ومؤسساته.
باختصار، الأخلاق السياسية ليست رفاهية فكرية، بل شرط وجود للدولة. وحين ننظر إلى المستقبل، فإن السؤال لا يكون: هل نحتاج إلى الأخلاق في السياسة؟ بل: هل يمكن للسياسة أن تستمر دونها؟
أؤمن بأن الأخلاق ليست ترفًا في العمل السياسي، بل شرطًا أساسيًا لأي مشروع جاد لإصلاح الدولة وبناء مؤسساتها. غير أن ما أتابعه في المشهد السياسي العراقي، ولا سيما بعد انتخابات 11 تشرين الثاني 2025، يدفعني إلى القناعة بأن الأخلاق السياسية ما زالت بعيدة عن أن تكون معيارًا حاكمًا في سلوك القوى الفاعلة، وبالأخص في ملف تشكيل الحكومة.
منذ إعلان نتائج الانتخابات، بدا واضحًا أن مسار التفاوض لا يتحرك وفق منطق المصلحة العامة أو البرامج الإصلاحية، بل وفق حسابات النفوذ، وتوازنات القوة، وإعادة إنتاج ذات المعادلات التي اعتاد عليها العراقيون في كل دورة انتخابية. وهذا الواقع يطرح سؤالًا صريحًا: ما جدوى الانتخابات إذا كانت نتائجها لا تنعكس تغييرًا في السلوك السياسي؟
من وجهة نظري، المشكلة لا تكمن في غياب الخطاب الأخلاقي، بل في انفصاله التام عن الممارسة. فشعارات "خدمة الشعب" و"حماية الدولة" حاضرة في الإعلام، لكنها تتراجع سريعًا عندما تبدأ المساومات الحقيقية، وحين يصبح المنصب أولوية تتقدم على الكفاءة، والصفقة بديلاً عن الرؤية. كما لا أرى أن تحميل المسؤولية للأفراد وحدهم كافٍ أو منصف. فالأزمة أعمق من ذلك، وهي أزمة نظام سياسي لا يكافئ النزاهة، ولا يجعل السلوك غير الأخلاقي مكلفًا. في مثل هذا النظام، يصبح الالتزام بالمبدأ مخاطرة سياسية، بينما تُكافأ البراغماتية حتى لو جاءت على حساب الدولة والمجتمع.
ما يثير قلقي أكثر هو هشاشة مفهوم الدولة في الوعي السياسي العام. فالانتماءات الحزبية والطائفية والقومية ما تزال أقوى من الانتماء الوطني، وهذا ما يجعل الحديث عن أخلاق سياسية راسخة حديثًا صعب التحقق. فالأخلاق في السياسة تفترض وجود دولة تُقدَّم مصلحتها على كل ولاء آخر، وهو ما لم يترسخ بعد في التجربة العراقية.
ورغم إيماني بأهمية الانتخابات بوصفها أداة ديمقراطية، إلا أنني أعتقد أنها، وحدها، غير قادرة على إحداث التغيير المنشود. فالانتخابات تغيّر الوجوه أحيانًا، لكنها لا تغيّر قواعد اللعبة، ولا الثقافة السياسية التي تحكم عملية تشكيل الحكومات. ولهذا تتكرر الأزمات، وتتجدد خيبات الأمل، وتتراجع ثقة المواطن بالعملية السياسية.
من وجهة نظري، فإن استعادة الأخلاق إلى العمل السياسي لن تتحقق عبر الخطابات أو الدعوات المثالية، بل عبر إصلاح بنيوي حقيقي، يقوم على: مؤسسات قوية قادرة على المحاسبة، وقوانين تطبَّق بعدالة على الجميع، وبيئة سياسية تجعل الفساد خسارة، والنزاهة مكسبًا. عندها فقط، يمكن أن تصبح الأخلاق السياسية سلوكًا طبيعيًا لا استثناءً نادرًا.
لا يختلف اثنان على أن الأخلاق تمثّل حجر الأساس في أي مشروع سياسي يهدف إلى إصلاح الدولة وتطوير مؤسساتها. غير أن الواقع السياسي العراقي، ولا سيما في مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية في 11 تشرين الثاني 2025، يكشف عن فجوة واسعة بين الخطاب الأخلاقي المعلن والسلوك السياسي الفعلي، وهي فجوة لم تعد خافية على الرأي العام.
أخلص إلى إن ما يشهده العراق ما بعد انتخابات 2025 ليس أزمة أخلاق أشخاص بقدر ما هو أزمة نظام كامل لم يُصمَّم لإنتاج سلوك سياسي مسؤول. ومن دون معالجة هذه الأزمة البنيوية، ستظل الأخلاق السياسية استثناءً نادراً، وستبقى الدولة العراقية تدور في حلقة مفرغة، رهينة صراعات المصالح، مهما تغيّرت المواعيد الانتخابية أو تبدّلت الأسماء والوجوه. وإن غالبية القوى السياسية تتعامل مع الانتخابات بوصفها وسيلة لإعادة توزيع المكاسب والسلطة، لا فرصة لإصلاح الدولة. ومنذ إعلان نتائج الانتخابات، دخلت القوى السياسية في دوامة من مفاوضات معقدة لم تُبنَ ـ في معظمها ـ على برامج إصلاحية واضحة أو رؤى وطنية جامعة، بل على حسابات النفوذ، وتقاسم المواقع، وضمان المصالح الحزبية والفئوية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: فتاة حلب

الدبلوماسية العراقية: من التحديث الملكي إلى مأزق العنف السياسي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

 علي حسين إذا كان جنابك من الذين يتابعون الأخبار، فأتمنى أن تتابع خطبة الشيخ صدر الدين القبانجي الذي اعلن فيها ان شيخ الازهر سيعلن تشيعه ، وان مصر ستتحول الى دولة شيعية قريباً...
علي حسين

قناديل: عندما يعجزُ العقلانيُّ عن عقلنة آلامه

 لطفية الدليمي مقالتي اليوم سردٌ لحكاية حقيقية حصلت في الأيّام القليلة الماضية مع صديق عزيز لي عرفتُهُ عبر الفيسبوك. لم يكن صديقي كائناً هشّاً، ولا ممّن تهزمُهُم التفاصيلُ العابرة. كان، في نظر كلّ...
لطفية الدليمي

قناطر: نريد جسراً نعبره إلى الحياة

طالب عبد العزيز إذا كان المفكرون المحتجون على الواقع العراقي يقولون بأنَّ غالبية الشعب العراقي تعيش في الماضي، وهي مقولة نتداولها في الحيث والتعبير عن أزمتنا في السياسة والدين والاجتماع فأنَّ الغالبية هذه تعيش...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجا للأزمة السورية؟

سعد سلوم (1-2) في عام 2006، وضمن مراسلات نشرتها مؤسسة MICT الألمانية، كنتُ أخوض سجالا فكريا مع الصحفي السوري "كمي الملحم" حول ارتدادات الزلزال العراقي المتوقعة على سوريا. كان هاجسه الأكبر حينها هو تجنب...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram