طالب عبد العزيز
على الرغم من الموقف الشجاع والصريح الذي اتخذته حكومة البصرة المحلية إلا أنَّ ممثلي السيد الخامنئي في البصرة، وبخطب رنانة؛ أجهزوا على فعاليات حفل (أحلامي أمل) للحساب الذهني، الذي انطلق أمس الأول في ملعب جذع النخلة للفتيات والفتيان والمخصص ريعه لمرضى السرطان، الكرنفال الفني الذي امتنعت الفنانة أصيل هميم عن حضوره بسبب التهديد العلني الذي أعلنه هؤلاء، بتوجيه خمس عشرة تهممةً لكل من يريد أن يقيم حفلاً فنياً، غنائياً، مهما كانت النوايا والطروحات، لأنَّ البصرة من وجهة نظرهم مدينة مقدسة، أحاديةَ المذهب لا يعيش فيها إلّا المتزمتين دينياً، والذين تخدش الموسيقى إيمانهم.
وبقدر تعلق المر في البصرة فقد كانت مناسبة سعيدة أنْ يهديني الكاتب والباحث في التأريخ د. مشتاق عيدان إلى كتاب (أوليا جلبي سياحت نامة1611–1684) وهو رحّالة ومستكشف عثماني، وُلد في إسطنبول، اِبتدأ برحلاته سنة 1630 واستمر نحو من أربعين سنة، دوّن خلالها مشاهداته في كتابه المعروف "أوليا جلبي سياحتنامه". وكان قد مرَّ وأقام بالبصرة في فترة حكم حسين باشا أفراسياب (١٦٥١-١٦٦٨م) وذكر تفاصيل دقيقة عن سكان المدينة وطوائفهم المختلفة.حيث أشار إلى أن البصرة كانت تضم عددا لا يُحصى من الرجال ذوي المظاهر الغريبة واتباع مذاهب غير إسلامية، فضلاً عن سكانها المسلمين، وأتى على ذكر جملة من الطوائف، نحمد الله أن لا أحد ظلَّ منهم اليوم وإلا كانت رقبته تحت نطع هؤلاء .
يعدد أوليا جلبي بعض الطوائف تلك فيقول على سبيل المثال؛ هناك طائفة باسم (عبدة الماء) الذين يذهبون صباح كل يوم إلى حافة النهر (شط العرب) ويسجدون للماء، ويقولون: "لقد رأينا وجه الله ووجدنا الحياة من خلال الماء"، ويبدو أنَّهم إحدى الطوائف المندائية. وهناك طائفة (الموغان) الذين يعتقدون بأنَّهم من نسل النبي داود، حيث يقضون غالب أوقاتهم في الصيام المسمّى بصيام داود، وجميل أنْ نشير هنا الى الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي محمد(ص) "خير الصوم صيام أخي داوود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً"، والحديث صحيح في صحيح البخاري. وفي البصرة أيضاً طائفة أخرى هي (البانيان) وهي جماعة هندية-هندوسية، يرتدي أصحابها عمائم وملابس بيضاء، ويأكلون منفردين، وبعد الطعام يغتسلون في الماء.ومثلهم طائفة (عبّاد النار)الذين إذا مات أحدُهم، يدفع أقاربُه للباشا آلاف العملات ليُحرق الميت في قلعة المناوي أمام العامة، وإذا كانت زوجته قد بالغت في حبها لزوجها ألقت بنفسها في النار خلفه. وهناك طائفة الغوريين، وهم من الهندوس، المختلفين جدّاً عن الجماعات الأخرى فهم لا يقبلون الطعام من المسلمين ولا يأكلون معهم. ولعل طائفة عبدة البقر (أهل غوران) في البصرة الأغرب فهم يعبدون بقرة، صفراء، سمينة وضعوها في حظيرة تشبه الحديقة، يقوم عشرة خدم بإخفاء روثها، والاحتفاظ به لاستخدامه في طلي جباه من يأتون لعبادتها. ويتجولون في السوق بملابسهم الخاصة، وهو مشهد غريب ومثير للدهشة، لكن، لا يعترض أحدٌ عليهم، أمّا طائفة (عبّاد الشمس) وهم بقايا الزرادشتية فقد كانوا يسجدون مرة واحدة عند شروق الشمس ومرة عند غروبها.
لم يسجّل أوليا جلبي في كتاب رحلاته شيئاً عن إيذاء المسلمين البصريين لأحدٍ من أبناء الطوائف تلك، بل وحتى وقت قريب عشناه، نحن مواليد الخمسينات من القرن الماضي لم نشاهد أو نسمع عن مضايقات وتهديدات من سلطة حكومية أو دينية أو اجتماعية لأيٍّ من سكان المدينة التي عرفت الاختلاط وتعدد الطوائف والمذاهب والاجناس والقوميات، المدينة المستقطبة لكل غريب وأجنبي، فقصدها الناس لشعورهم بأنهم لن يلاقوا التشدد والعنت من سكانها المسلمين، فهي واحة أمن للجميع.
لا نريد أنْ نقول شيئاً عن ما أصاب ويصيب سكان المدينة خلال السنوات الماضية، من ضنك العيش، وانعدام فرص العمل، ومقاتل النساء، وحروب القبائل، والاستحواذ على الممتلكات العامة والفساد والأحزاب والاسر المهيمنة على المشاريع النفطبية وعن الأجهزة التي قامت بملاحقة وقتل المتظاهرين، والاصابات السرطانية جراء تلوث أجواء المدينة بسبب النفط لكننا نقول أين هؤلاء المعممين من الكوارث تلك؟ ولماذ تستفزُّ الأغنية وجدانهم اليوم، أم أنَّ ذلك كله يأتي ضمن مخطط تخريب للمدينة، التي تنهض اليوم بفعل الخيرين من أبنائها على أمل أن تصبح واحدة من أجمل مدن العراق والشرق، يقصدها كل من ضاقت الدينا به فيجد بين أهلها الطمانينة والسلام.









