ثائر صالح
الحلقة الرابعة:
قدّم موتسارت أوبراه الجديدة "اختطاف من السراي" (KV384) صيف 1782 على مسرح البلاط بنجاح باهر، وحصلت على ثناء بالغ من أهم مؤلف أوبرا في ڤيينا: كريستوف ڤيليبالد كلوك (1714 - 1787) الذي شغل منصب مؤلف البلاط. كان تأليف هذه الأوبرا الألمانية خلال فترة إقامته عند عائلة ڤيبر والتحضير لزواجه بكونستانتسه. لكن موتسارت لم يكتف بهذا النجاح، كان يطمح إلى تثبيت مواقعه في ڤيينا والتفوق على مؤلفي الأوبرا الإيطاليين الذين انتعش فنهم في العاصمة الإمبراطورية: بالدرجة الأولى أنتونيو سالييري (1750 - 1825) الذي انتقل ليعيش ويعمل في ڤيينا منذ 1770 حتى وفاته. كان الإثنان يتنافسان على الصدارة، وأدى التنافس هذا إلى ظهور شكوك حول وفاة موتسارت المبكرة، حيث اعتقد الناس أن سالييري قد قام بتسميمه. وقد تعامل الكاتب المسرحي بيتر شيفر مع هذه الشكوك رغم بطلانها وقدّمها بمثابة حقيقة في مسرحيته "أماديوس" (1979) التي نقلها ميلوش فورمان في الفيلم الشهير بنفس الاسم (1984). الحقيقة كان الإثنان يحترمان بعضهما الآخر رغم المنافسة، وقام سالييري بتدريس ابن موتسارت لاحقا.
أختار موتسارت النص الذي كتبه بومارشيه "زواج فيكارو" موضوعاً للأوبرا التالية. استعمل النص مؤلفون آخرون مثل جوڤاني بايزيلّو في أوبرا "حلاق اشبيلية"، التي قدمت في ڤيينا بنجاح كبير لكنها في نفس الوقت أثارت حفيظة الإمبراطور يوزف الثاني لجرأتها فيما يتعلق بحقوق النبلاء ونقدها الساخر لهم، وقد وصفها ناپوليون بأنها احدى الشرارات التي أشعلت الثورة الفرنسية.
لم يكن الطريق مرصوفاً أمام "زواج فيكارو" (KV492) التي قدمت في 1 أيار 1786، فقد واجه موتسارت ومؤلف الليبرتّو (النص) لورنتسو دا پونته الكثير من المصاعب في إقناع الإمبراطور والرقابة بإجازتها، وتعرضا إلى الكثير من المؤامرات التي حاكها الجناح المحافظ الذي أرغم على تقبلها بسبب إعجاب الإمبراطور بها. كان هذا العمل جديداً غير معتاد، فقد انتقل من تقديم الشخوص وفق نمطية معتادة مبنية على علاقات التبعية السائدة في ذلك الوقت إلى علاقات إنسانية ندّية. وهذا بالذات ما أثار استياء النبلاء الذين سخر موتسارت منهم في هذه الأوبرا، وأضعفت من حظوظه في الحصول على موقع هام في البلاط والمؤسسة الحاكمة. فلم تقدم الأوبرا سوى تسع مرات في ڤيينا، لكنها حققت نجاحات كبيرة في العديد من مسارح أوروبا خلال عام واحد وغدت من التراث الثابت في دور الأوبرا.
لم يتحسن وضع موتسارت المالي بعد هذه الأوبرا، وبدأ يفقد من شعبيته في ڤيينا. بدأ يوجه أنظاره نحو باريس ولندن قبل أن تأتيه الأخبار السارة من براغ حيث عرضت أعماله "اختطاف من السراي" و"زواج فيكارو" ولاقت ترحيباً كبيرا. قام موتسارت بزيارة مثمرة إلى براغ في مطلع 1787، وهناك قاد "زواج فيكارو" بنجاح كبير، وقدم عدداً من الحفلات وسط تهليل الجمهور. من أهم نتائج تلك الزيارة طلب مدير مسرح براغ من موتسارت تأليف أوبرا. هذه المرة اختار دا پونته النص لموتسارت الذي باشر فوراً بتأليف "دون جوڤانّي" (KV527) واحدة من أعظم الأوبرات التي كتبها موتسارت.
موسيقى الاحد: موتسارت والأوبرا

نشر في: 11 يناير, 2026: 12:01 ص








