TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناديل: نبتعدُ قليلاً لنرى أكثر

قناديل: نبتعدُ قليلاً لنرى أكثر

نشر في: 11 يناير, 2026: 12:04 ص

 لطفية الدليمي

أربعمائة كيلومتر فقط. مسافةٌ أفقيّة تبدو سخيفة في مقاييس الكون، ولا تستحقُّ حتى اشارة صغيرة في خرائط الفلك؛ لكنها حين تكون عموديّة فوق الأرض تتحوّلُ إلى واحدة من أكثر المسافات كشفاً لغرور الإنسان وغطرسته. مسافة قصيرة بما يكفي لتُسقِطَ أوهاماً طويلة العمر، وبعيدة بما يكفي لتجعل العالم، فجأة، مفهوماً ومُخيفاً في آن واحد.
لماذا اخترتُ الأربعمائة كيلومتر دون سواها؟ ثمّة سببٌ ونتائج لهذا الإختيار. على هذا الإرتفاع المتواضع، تدور محطّة الفضاء الدولية ISS. ليست قصراً سماويّاً، ولا معبداً يتعبّد فيه أفراد مخصوصون في خلوة محبّبة. إنّها مختبرٌ معدنيٌّ هشٌّ، معلّقٌ في الفراغ، يتشارك فيه بشرٌ من ( دول متخاصمة ) الهواء والطعام والعمل. هناك، لا يملكٌ أحد رفاهية التعصّب؛ فالخطأ لا يُحتسَبُ في المحطّة بمعايير صراعيّة سياسيّة بل بإحتساب التكلفة الوجودية الشاملة. لا مجال لصراع خفي او معلن على أساس الفوز الفرداني إزاء الخسارة الفردانية . لا مجال للعبة صفرية. القانون الحاكم هو: ننجح معاً أو نخسر معاً.
من نوافذ تلك المحطة لا يرى روّاد الفضاء ما نراه نحن على خرائط الجغرافيا. لا حدود. لا ألوان تفصل دولة عن أخرى. لا خطوط حمراء ولا مناطق نفوذ. يرون فقط كرة زرقاء شاحبة، هادئة، بلا ضجيج، محاطة بطبقة رقيقة من الغلاف الجوي، تبدو -من هناك- هشّة إلى حد القلق. عند تلك الرؤية يدرك الإنسان أنّ الأرض ليست صلبة كما تخيّل، وأنّها لا تملكُ ترف الإنقسام والتصارع اللذيْن نمارسهما فوقها. هذه هي النقطة الزرقاء الشاحبة التي جعل منها كارل ساغان عنواناً لأحد كتبه. لم يكن نصُّه احتفاءً شاعريّاً بالكوكب بل تحذيراً أخلاقيّاً صارخاً. قال ساغان في بعض ما قاله في الكتاب إنّ كلّ ما عرفناه وشكّل ذاكرتنا الثقافية المحلية والعالمية: كل الإمبراطوريات، وكلّ الأديان، وكلّ المجازر، وكلّ قصص الحب، وكلّ الأطفال الذين وُلدوا وبكوا ثم كبروا وغادروا،،،،،- إنّما حدث على هذه النقطة الصغيرة التي لا تبدو من الفضاء سوى ذرّة تائهة في شعاع ضوء. ساغان عبقري حقيقي في الكتابة. كتب عن هذه المعلومة الخطيرة وهو لم يغادر الأرض في رحلة فضائية قريبة أم بعيدة. وحدُهُم الذين ذهبوا فعلاً، وعادوا، وطأت أقدامهم الأرض ثانيةً وهم يحملون شيئاً أثقل من صورة تلك النقطة الزرقاء الشاحبة. كانوا يحملون في ضمائرهم إنكساراً مؤلماً في اليقين الذي ملك عقولهم قبل رحلة مغادرة الأرض.
يُسمّي علماءُ النفس ذلك (تأثير النظرة الشاملة). ليس تأثيراً مؤقتّاً بل إعادةُ ترتيب جذرية للوعي. هو وليدُ لحظةٍ يرى فيها الإنسان العالم كاملاً وبعيداً عن المؤثرات الموضعية؛ فيكتشف أنّ ما كان يدافع عنه بشراسة لم يكن حقيقة مطلقة كما كان يظنُّ، بل زاوية رؤية ضيقة، محكومة بالمكان والخوف والعادة. كثيرٌ من روّاد الفضاء تحدّثوا عن صعوبة العودة إلى الأرض، لا بسبب تغيّرات الجاذبية، بل بسبب البشر. قال بعضهم إنّهم صاروا أقلّ صبراً على الخطابات الحماسية، وأقلّ قدرة على فهم الكراهية المُنظّمة، وأكثر حساسية تجاه التفاهات التي تستهلكُ طاقة المجتمعات. من ذلك الإرتفاع، تبدو الحروب عبثاً خالصاً. ترى القارات متجاورة بلا عداء.
ترى المحيطات بلا أسماء. ترى المدن ليلاً تلمع مثل شبكة أعصاب واحدة، لا كمعاقل أعداء.
هناك لا معنى لفكرة (الآخر). لا تبدو الآيديولوجيات أكثرَ من قصص محلّية رُفِعَتْ إلى مرتبة المقدّس. مع ذلك فإنّ معظم البشر لن يروا هذه الصورة أبداً. سيولدون ويعيشون ويموتون داخل بيئات ذهنية مغلقة، دون أن يمرّ بعقولهم، ولو كطيف شبحي في حلم، أنّ العالم أوسعُ من لغتهم، و أنّ الحقيقة يمكن أن تُرى من أكثر من نافذة واحدة ضيّقة.
ثمّة أناسٌ يعيشون حياتهم كاملة داخل بركة ثقيلة من الآيديولوجيا والتحزّب. يتعلّمون أسماء أعدائهم الآيديولوجيين -حقيقيين أم مفترضين- قبل أن يتعلّموا طرح الأسئلة. يحفظون الشعارات كما تُحفَظُ الصّلوات، لا لأنها صحيحة بل لأنّها أقربُ لفلكلوريات مألوفة. يُقاس وعيُهُم بمدى ولائهم لا بقدرتهم على الشك. هؤلاء لا يسافرون، وإن حصل وسافروا حملوا فقاعاتهم الصلبة معهم ليجعلوها غيتوهات معزولة. لا يقرؤون، وإن قرؤوا بحثوا فقط عمّا يؤكّدُ قناعاتهم. لا يرون في الإختلاف فرصة للفهم بل تهديداً يجب سحقُهُ أو تشويهُهُ. كثيرون منهم يغادرون الحياة دون أن يتوقّعوا، أو حتى يتخيّلوا، أنّ العالم يمكن أن يُرى بطريقة أخرى. يموتون وهم مقتنعون أنّ تجربتهم المحدودة هي النموذج المعياري الصالح لكلّ زمان ومكان، وأنّ ما عدا ذلك انحرافٌ أو خيانة.
القُرْبُ الشديد -حدّ الغوص في القيعان تحت غطاء الإنتماء- سُمٌّ قاتل. حينها تستحيلُ الهوية قفصاً يأسرُ المرء. نحن لا نعاني من نقص الإنتماء، بل من فرط انتماء أعمى، يجعل الإنسان يرى العالم كلّه من ثقب ضيق، ثم بعد هذا يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة. من هذا القُرْب الخانق نتصرُّف كأنّ الكوكب ملكية خاصة، وكأنّ المستقبل محضُ تفصيلة صغيرة يمكن تأجيلها والتسويف بشأنها تحت مسوّغات عديدة. لو رأينا الأرض من هناك، من ذلك الإرتفاع الصغير، لبدَتْ كلُّ هذه التسويغات سخيفة، بل مخجلة؛ لا لأنّ الإنسان مجبولٌ على الشرّ بطبيعته بل لأنّه يصبح قصير النظر بطريقة مؤذية حين يلتصق كثيراً بذاته وأفكاره الغارقة في المحليّة والجشع والإثرة.
الأمر يشبه تماماً ما يحدث حين يغادر الإنسان وطنه لأول مرة، لا هرباً قسرياً بل طلباً لحياة أفضل. سيرى بلده بعيون جديدة: يحبّه أكثر بعد أن يراه بطريقة أكثر وضوحاً. سيكتشفُ أنّ ما اعتبره (طبيعيّاً) في بلده، سلباً أو إيجاباً، ليس إلا خياراً ثقافيّاً بين خيارات عديدة، وأنّ ما دافع عنه بحماسة لم يكن حقيقة مطلقة بل حكاية محلية تواتر عليها من عاش في بلده. سيفهم بعد طول عيش وخبرة أنّ المكان، حين يتغيّرُ، يفعل بنا ما لا تفعله الكتبُ ولا الخطبُ. سيفهم أنّ المكان لا يجادِلُنا بل يضعُنا في حجمنا الحقيقي. لا يهزمنا بل يخفّفُ من ثقل يقيننا. أظنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الأنظمة المغلقة تخافُ من فكرة السفر، ولهذا السبب ذاته تكره الآيديولوجيات الأسئلة العابرة للحدود. تُفضَّلُ الآيديولوجيّاتُ دائماً أن يبقى الناس قريبين، غاضبين، ومتشابهين. الإختلاف لديها غير مرحّبٍ به أبداً.
مشكلتنا اليوم ليست نقص المعرفة بل رفض الرؤية البديلة أو المُعَدّلة، ورفْضُ أن نبتعد خطوة واحدة عن ذواتنا، عن سرديّاتنا، عن يقينياتنا الثقيلة. ربما لا يحتاجُ العالم إلى مزيد من المؤتمرات ولا إلى بيانات قلق جديدة، بل إلى شيء أبسط وأصعب في آن واحد: مسافة فحسب. مسافة فكرية، وأخلاقية، ونفسية.خطوة إلى الخلف، لا للإنسحاب بل للفهم.
400 كيلومتر فقط. مسافة قصيرة؛ لكنّها كافية لتجريد الإنسان من أوهامه، وكافيةٌ لتذكيره بحقيقة غير مريحة: نحن لسنا مركز الكون، ولا حتى مركز هذا الكوكب. لن نصعد جميعاً إلى الفضاء؛ لكن يمكننا - إن امتلكنا الشجاعة- أن نتعلّم الدرس دون الرحلة. يمكننا أن نشكّ أكثر، أن نصرخ أقلّ، وأن ننظر أبعد.
أخطرُ ما يهدّدُ الأرض اليوم ليس نيزكاً عابراً، أو فرط احترار، أو موجة تسونامي عاتية، بل بشرٌ لم يبتعدوا يوماً بما يكفي… ليروا. هل سيفعلون؟ أم أنّهم إختاروا العيش على أساس الرؤية الواحدة المغلقة؟
أظنّ كثرة ممّن نعرف -في الأقلّ- لن يفعلوا، وتلك مأساتنا الكبرى. هي مأساتهم كذلك لو كانوا يعلمون.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. د. علي الخطيب

    منذ 2 شهور

    ما اروع كتاباتك سيدتي الفاضاه فهي سنفونية تناجي الروح وتتطيب لها النفوس لتأخذنا الى العالم الارحب والفضاء الانقى والعيش السرمدي لا نرى فيها ضغينة ولا احقاد فاين ومتى الرحيل

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram